جددت واشنطن اليوم الخميس حديثها عن ضرورة استقلالية الحكومة العراقية المقبلة، وهي الإشارة التي باتت تُفهم داخل العراق باعتبارها رفضاً أميركياً لمرشح الائتلاف الحاكم (الإطار التنسيقي) نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة.
ووفقا لبيان أصدرته السفارة الأميركية في بغداد، فإن القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في العراق جوشوا هاريس أكد أن بلاده على استعداد لاستخدام" كامل نطاق الأدوات المتاحة" لمواجهة ما وصفها بالأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في العراق.
وذكرت السفارة في بيانها أن" هاريس التقى رئيس تحالف النهج الوطني عبد الحسين الموسوي، وأكد خلال اللقاء أهمية بقاء أي حكومة عراقية مستقلة ومركزة على المصالح الوطنية لجميع العراقيين"، مبينة أن" هاريس ناقش مع الموسوي أهمية الشراكة القوية بين الولايات المتحدة والعراق بما يحقق فوائد ملموسة للطرفين، في إطار تعزيز المصالح المشتركة المتمثلة في صون السيادة العراقية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وتقوية الروابط الاقتصادية".
وأكد هاريس استعداد بلاده لاستخدام" كامل نطاق الأدوات المتاحة" لمواجهة ما وصفها بـ" الأنشطة الإيرانية" المزعزعة للاستقرار في العراق، مشدداً على أن" أي حكومة عراقية يجب أن تبقى مستقلة بالكامل وتركز على تعزيز المصالح الوطنية"، في إشارة فهم أغلبية المراقبين أن المقصود من" استقلال الحكومة العراقية" هو إبعاد المالكي عن منصب رئيس الحكومة، بالرغم من كونه المرشح الوحيد للقوى الشيعية المتحالفة ضمن تحالف" الإطار التنسيقي".
من جانبه، ذكر المكتب الإعلامي لتحالف النهج الوطني أن" الموسوي استقبل القائم بالأعمال الأميركي، حيث جرى بحث المستجدات على الصعيدين الوطني والإقليمي، وسبل تعزيز العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن وفق مبدأ الاحترام السيادي المتبادل والمصالح المشتركة".
وأضاف أن" اللقاء تناول مشاورات القوى السياسية لحسم الاستحقاقات الوطنية عبر المسارات الدستورية، والالتزام بنتائج العملية الانتخابية، بما يساهم في ترسيخ الأسس الديمقراطية وتشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات".
من جانبه، أشار الباحث في الشأن السياسي عباس غدير إلى أن" الوضع العراقي حرج حالياً بسبب استمرار التهديدات الأميركية لإيران بالتزامن مع بدء المفاوضات بين طهران وواشنطن، وأن الأخيرة لا تريد أن يبقى العراق داعماً لإيران، وهذا الأمر يرجع إلى مواقف الأحزاب العراقية الكبيرة والنافذة"، مبيناً في حديث لـ" العربي الجديد"، أن" الحديث الأخير للقائم بالأعمال في السفارة الأميركية هو استكمال لوجهة النظر الأميركية، ورغم أن هذا التدخل واضح بالشأن العراقي، إلا أن ترشيح المالكي بالأساس مرفوض من قوى متفرقة داخل الحالة العراقية".
ومنذ أكثر من عام تتعامل السفارة الأميركية مع المسؤولين العراقيين بطريقة الإعلان الصريح عما يجري في الحوارات واللقاءات، إذ أقدمت على إحراج الكثير من المسؤولين وضمنهم عمار الحكيم ومحسن المندلاوي ونوري المالكي وغيرهم، حيث إن البيانات العراقية عادة ما تتناول عبارات فضفاضة وجمل مفتوحة، مثل" التعاون المشترك وتبادل الأفكار"، إلا أن السفارة الأميركية بدأت تشرح تفاصيل اللقاءات، وغالباً ما تتضمن انتقاد المليشيات العراقية الموالية لإيران ومنع التدخلات الإيرانية ومواجهة مصالحها في العراق.
والشهر الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر تدوينة على منصة" تروث سوشيال"، أن" عودة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة أمر لا ينبغي السماح به"، معتبراً أن العراق" انزلق إلى الفقر والفوضى" خلال تولي المالكي سابقاً رئاسة الحكومة.
وسبب الاعتراض الأميركي العلني على ترشيح المالكي إرباكاً في مسار تشكيل الحكومة الجديدة، ووضع" الإطار التنسيقي" في موقف حرج، ويبدو أن القائم بالأعمال في السفارة الأميركية يمضي باتجاه استكمال وجهة النظر الأميركية تجاه إبعاد المالكي عن السلطة، وتحييد العراق عن التأثير الإيراني، أو رعاية مصالحها، وخصوصاً أنها تواجه حصاراً وتهديداً متواصلاً من ترامب، بالتزامن مع بدء المفاوضات بين طهران وواشنطن.
مع العلم أن ترامب ليس وحده الذي يرفض للمالكي، بل تقف بوجهه قوى داخلية قريبة من إيران ترفضه، وضمنها حركة" صادقون" التي يقودها قيس الخزعلي، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، بالإضافة إلى ائتلاف النصر الذي يتزعمه حيدر العبادي، ناهيك عن موقف أغلب القوى السياسية السنية في البلاد، التي لا ترغب بعودة المالكي، وقد استحضرت خلال الأسابيع الماضية سنوات" العنف الطائفي" التي حصلت في حكومتي المالكي (2006 ـ 2014).
ورغم الرفض، يواصل المالكي التمسك بترشحه لمنصب رئيس الوزراء العراقي في الحكومة الجديدة، فيما يشير مراقبون وصحافيون وأعضاء في" ائتلاف دولة القانون" الذي يقوده المالكي إلى أنه" لن ينسحب"، باعتباره مرشح أغلبية أطراف وقوى تحالف" الإطار التنسيقي" الذين ما زالوا يواصلون دعمه، لكن مصادر أخرى ترى أن المالكي قد ينسحب في نهاية السباق تحت ذريعة" المصلحة الوطنية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك