استكمل الكتابة اليوم عن حكاية وطن تبعث أحلامه الموءودة في بعث جديد.
ولطالما كان حلم الخروج من الوادي الضيق والزحام الخانق في القاهرة الكبرى هاجساً يطارد صناع القرار في مصر منذ عقود.
نعم لم تكن فكرة إنشاء عاصمة إدارية جديدة وليدة اللحظة، بل كانت طموحاً رئاسياً قديماً عند الزعيم جمال عبد الناصر وحاول الرئيس أنور السادات تجسيده في السبعينيات عندما وضع حجر الأساس لـ" مدينة السادات" في منتصف الطريق بين القاهرة والإسكندرية، لتكون عاصمة بديلة تضم الدواوين الحكومية والوزارات.
ولكن، وللأسف الشديد، اصطدم هذا الحلم بصخرة البيروقراطية الإدارية العتيدة، وبقيت القاهرة القديمة تعاني تحت وطأة التكدس.
اليوم، وبعد عقود من التردد، تحول هذا الحلم الموءود إلى واقع ملموس يتلألأ في قلب الصحراء شرق القاهرة علي يد الرئيس عبد الفتاح السيسي …والعاصمة الإدارية الجديدة ليست مجرد توسع عمراني، بل هي إعلان عن ميلاد جمهورية جديدة، كسر بها الرئيس السيسي حاجز الخوف من الخروج عن النطاق التقليدي للوادي.
• هنا تميز كبير فاذا كان المعمار يسهل انشاؤه بالفلوس، لكن الروح المصرية الضاربة في العمق الحضاري لا يمكن شراؤها بالفلوس، وإن حدث سيكون نبت بلا جذور في تربة غريبة عنه، هنا ميزه الاتصال والقرب، هنا مكان وسط بين قلب العاصمه القديمة" القاهرة الخديوية" وبين محور قناه السويس، جسر يربط بين قلب الدولة التاريخية و مركزها الاقتصادي الجديد، وإذا كانت هناك بعض العواصم الإدارية المشابهة في العالم لكنها جميعا تركز على الجانب الإداري، لكن هنا عاصمه شاملة، ادارية بجميع مقار الحكم، اقتصادية بكل البنوك، وثقافية بمدينة الفنون، تعليمية بجامعات جديدة، رياضية بالمنشآت الجديدة، ودينية بالمسجد الكبير والكنيسة الضخمة.
الخ، والتحدي الحقيقي أننا خرجنا خارج الصندوق بفضل رؤيه الرئيس عبد الفتاح السيسي على سبيل المثال: - العالم كله ينشغل وكنا معه بترميم المدن القديمة ومنحها المسكنات والمهدئات، لكن قرار تنفيذ جمهورية جديدة في قلب الصحراء كان قرارا يحتاج الى جسارة تجعلها حقبة ضخمة تجعلها حقبه جديدة تضاف الى حقبتها الفرعونيه، فالعاصمة الادارية هنا ليست حي حكومي ضخم، لكن مشروع استراتيجي يضع مصر على خريطه المدن الذكيه.
• لن أصف جمال الأحياء المختلفة مثل حي المال والأعمال والحي الدبلوماسي، لكن شغلتني وأنا عائد كيف نروج لهذا الانجاز الكبير علي المستويين المحلي والعالمي وكيف أقدم الأسف والإعتذار عن زياره تأخرت كثيرا.
داهمني شعور غريب يمتزج فيه الفخر بالندم عندما لمست عيناي وقدماي أرض العاصمة الإدارية لأول مرة، ؛ فخرٌ بما أنجزه العقل واليد المصرية في وقت قياسي، وندمٌ أو" عتاب" على عدم زيارة هذا الصرح من قبل.
لكن هذا العتاب لا ينحصر في النطاق الشخصي فقط، بل هو عتابٌ ممتد ليشمل جموع الشعب المصري الذين لا يعرفون عن هذه العاصمة سوى" أعمدة خرسانية" أو" أخبار متناثرة" عبر شاشات التليفزيون، دون ملامسة روح المدينة أو إدراك حجم التغيير الجذري الذي تمثله.
والتقصير هنا لا يتحمله المواطن، بل يقع العبء الأكبر على عاتق الجهاز الإداري والحكومي الذي لم يفلح حتى الآن في تقديم" المحتوى الإعلامي" الذي يليق بحجم الإنجاز.
للأسف هناك انجازات كبري تفشل الحكومة في الترويج لها اعلاميا وشعبيا.
نعم هناك فجوة معلوماتية كبيرة؛ حيث لم تُمنح الوسائل الإعلامية البيانات الصحيحة والمحدثة بشكل دوري، وافتقرت التغطيات إلى" المتابعة الميدانية" الحية التي تنقل التفاصيل الدقيقة، وتجعل المواطن البسيط يشعر بأن هذه المدينة له ولأبنائه، وليست مجرد" مدينة للنخبة" كما يحاول البعض تصويرها.
وغياب الترويج الميداني جعل العاصمة الإدارية مادة دسمة للشائعات والتشكيك،
ويحتاج الإعلام إلى الانتقال من" لغة الأرقام الصماء" (مثل عدد الأمتار المكعبة من الخرسانة) إلى" لغة القيمة المضافة" مثل: كيف ستسهل هذه المدينة حياتنا؟الحكومة مطالبة بفتح الأبواب أمام الإعلام الدولي والمحلي بشكل أكثر مرونة، وتوفير مراكز إعلامية داخل العاصمة تقدم تقارير يومية عن" نبض الحياة" هناك، وليس فقط عن اكتمال الواجهات الرخامية للمباني.
المواطن يحتاج أن يرى الموظف وهو يعمل في بيئة ذكية، ويرى الطالب في جامعاتها الدولية، والرياضي في مدينتها الأولمبية.
ويأتي الترويج عبر" صناعة الفعاليات" الثقافية فى المقدمة ولدينا نموذج العلمين كبوصلة للفعل لما يمكن أن تفعله الفعاليات الكبرى في تغيير وجهة النظر العامة، من خلال النقل التلفزيوني للمهرجانات الفنية والمباريات الرياضية.
ومن هنا، يجب أن تبدأ عملية" الترويج المكثف" للعاصمة الإدارية من خلال استراتيجية" الفعاليات النوعية" مثل:
• يجب أن تصبح العاصمة هي المقر الوحيد والأساسي لكل مؤتمر صحفي أو مؤتمرات وزارية.
ولا معنى لعقد مؤتمر عن" التحول الرقمي" في فندق بوسط القاهرة بينما تمتلك العاصمة أذكى مراكز المؤتمرات في المنطقة.
اقامة كل الفعاليات الفنية والثقافية هنا.
مثل إقامة المهرجانات السينمائية، ومعارض للكتاب، والفعاليات الفنية الكبرى في" دار الأوبرا" الجديدة، ونقلها بثاً مباشراً، كل ذلك سيخلق ارتباطاً عاطفياً وبصرياً بين المواطن والمدينة.
أما الرياضة فهي أسرع جسر للوصول من خلال المدينة الأولمبية بالعاصمة الإدارية، لتكون مقراً للمباريات الكبرى للمنتخب الوطني، والبطولات الدولية وهنا يمكن رؤية" ستاد مصر" ممتلئاً بالجماهير تحت أضواء العاصمة.
كل ذلك سيمحو فكرة أنها مدينة مهجورة أو بعيدة.
ولا يجب أن نكتفي بالترويج لها كمركز إداري، بل يجب إبرازها كوجهة سياحية وعلاجية مثلا.
المستشفيات العالمية التي يتم إنشاؤها يجب أن يتم الترويج لها كوجهة لـ" السياحة العلاجية" في المنطقة، والجامعات الدولية يجب أن تُقدم كقبلة للطلاب من كافة أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا.
والترويج للعاصمة الإدارية هو في جوهره ترويج لـ" الدولة المصرية الجديدة"، فإذا نجحنا في جعل المواطن يدرك أن انتقال الموظفين للحي الحكومي يعني" سرعة في إنجاز معاملاته"، وأن المدينة الذكية تعني" توفيراً في الطاقة والوقت"، وأن الطرق والمونوريل يعنيان" ربطاً حقيقياً لمفاصل الدولة"، فإننا سنكون قد كسبنا معركة الوعي و" البنية الوجدانية" لدى الشعب.
بإختصار يجب أن تتحول العاصمة إلى نشاط يومي مكثف، لا يهدأ فيه الحراك الإعلامي والثقافي والرياضي.
إننا لا نروج لمجرد" مدينة جديدة"، بل نروج لـ" عاصمة جديدة" لمصر، عاصمة تليق بتاريخها وتطمح لمستقبلها.
الترويج هو الجسر الذي سيعبر عليه الشعب من" العتاب والجهل بالمشروع" إلى" الفخر والمشاركة فيه".
لقد تحقق الحلم وأصبح واقعاً، وحان الوقت ليعرف كل مصري أن هذا الواقع هو بيته الجديد، وواجهة كرامته أمام العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك