يشكّل الجدل الدائر حول التعيينات، وطبيعة السياسات العامة، وشكل العلاقة بين السلطة الانتقالية الحالية في دمشق والمجتمع السوري، مدخلًا أساسيًا لفهم المسار الذي تتجه إليه سورية بعد تسلّم أحمد الشرع وكتلته السياسية زمام السلطة.
هذا النص لا ينطلق من موقف إدانة مسبق ولا من دفاع أيديولوجي، بل يسعى لتفكيك التجربة كما هي، اعتمادًا على الوقائع المتاحة، والاحتجاجات المسجلة، وأنماط الحكم التي بدأت تتشكل فعليًا على الأرض، مع مقارنتها بتجارب انتقالية أخرى شهدها العالم.
منذ الأيام الأولى لتشكّل السلطة الجديدة، برزت مسألة التعيينات بوصفها أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.
لم يكن الاعتراض محصورًا في أسماء بعينها، بل في النمط العام الذي حكم هذه التعيينات، حيث لوحظ تركّز واضح للمناصب السيادية والإدارية والقضائية والأمنية في أيدي أشخاص ينتمون إلى خلفية سياسية وتنظيمية واحدة أو متقاربة.
هذا الواقع فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة عن مدى تمثيل هذه السلطة لتنوع المجتمع السوري، وحول ما إذا كانت المرحلة الانتقالية تُدار بعقلية مؤقتة تمهّد لبناء دولة جامعة، أم بعقلية تثبيت نفوذ يصعب تفكيكه لاحقًا.
في السياق الأمني، يمكن تفهّم جزء من هذا التمركز خلال السنة الأولى، انطلاقًا من منطق استتباب الأمن ومنع الفوضى في بلد خرج لتوّه من حرب طويلة وانهيار مؤسساتي شامل.
غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا التبرير بحد ذاته، بل في غياب مؤشرات واضحة على أن هذا التمركز مؤقت، أو أنه يخضع لخطة زمنية مدروسة تنتهي بتوسيع المشاركة وإعادة توزيع السلطة.
فالتجارب التاريخية تشير إلى أن ما يُرسّخ في السنة الأولى غالبًا ما يتحول إلى بنية دائمة، خصوصًا حين يقترن بالسيطرة على مفاصل القضاء والإدارة والمال العام.
يتعزز هذا القلق عند النظر إلى تطورات لاحقة، مثل آلية تشكيل مجلس الشعب، أو الحديث عن قوانين أحزاب وهيئات دستورية وانتخابية تُصاغ من داخل البنية نفسها.
هنا يبرز سؤال جوهري: هل ستملك هذه المؤسسات، إن شُكّلت، القدرة الفعلية على محاسبة السلطة التنفيذية أو تعديل موازين القوة، أم أنها ستبقى أطرًا شكلية تمنح شرعية لاحقة لواقع مُنجز؟ الخشية التي عبّر عنها كثيرون هي أن يتحول الدستور والمؤسسات القادمة إلى أدوات تحصين للنخبة الحالية بدل أن تكون آليات انتقال ديمقراطي فعلي.
التجارب التاريخية تشير إلى أن ما يُرسَّخ في السنة الأولى غالبًا ما يتحول إلى بنية دائمة، خاصةً حين يقترن بالسيطرة على مفاصل القضاء والإدارة والمال العام.
على المستوى المجتمعي، لم تمر السنة الماضية دون إشارات إنذار واضحة.
فقد شهدت مناطق متعددة أشكالًا مختلفة من الاعتراضات المطلبية، شملت احتجاجات على أسعار الكهرباء وآليات الجباية، وإضرابات لسائقي الشحن، واعتصامات للمعلمين بسبب تدني الأجور، إضافةً إلى الغضب الشعبي المرتبط بسوء إدارة ملف المخيمات وما كشفته السيول من هشاشة الاستجابة الحكومية.
هذه التحركات، رغم أنها لم تتخذ طابعًا سياسيًا شاملًا أو تهديدًا مباشرًا للسلطة، إلا أنها تعبّر عن فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي وواقع الحياة اليومية للمواطنين.
يتقاطع ذلك مع ملف بالغ الحساسية يتعلق بإدارة المال العام، سواء عبر ما يُعرف بملفات المصالحة واسترداد الأموال من شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، أو عبر التبرعات التي جُمعت لفائدة بعض المحافظات.
المشكلة هنا ليست في المبدأ، بل في الغموض الذي يلف هذه الملفات: غياب الأرقام الدقيقة، عدم نشر تقارير مالية، وعدم توضيح أوجه الصرف.
هذا الغموض، في سياق بلد عانى طويلًا من الفساد، يعيد إنتاج انعدام الثقة حتى لو كانت النيات المعلنة إصلاحية.
عند محاولة تقييم سياسات السلطة الانتقالية في التعامل مع هذه الملفات، يصعب تصنيفها ضمن إطار واحد واضح.
فهي لا تبدو سياسات مخططة ضمن رؤية شاملة، ولا هي ارتجالية بالكامل، لكنها أقرب إلى مزيج من التجريب وردّ الفعل.
في كثير من الحالات، تُتخذ القرارات تحت ضغط الواقع ثم يُعاد تعديلها أو التراجع عنها، دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمات.
هذا النمط يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب مؤسسات تخطيط مستقلة، وبهيمنة منطق أمني – سياسي على حساب المنطق الاجتماعي والاقتصادي.
كذلك إن عودة موارد مهمة، مثل النفط والغاز من شمال شرق سورية إلى يد السلطة المركزية، لم تُترجم حتى الآن إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
وهذا يعيد طرح سؤال إدارة الوفرة بعد سنوات من إدارة الندرة.
فالتاريخ القريب في دول أخرى يُظهر أن توفر الموارد دون شفافية ومساءلة لا يقل خطورة عن غيابها، بل قد يسرّع في تشكل شبكات نفوذ جديدة ويعمّق الفوارق الطبقية، وهو ما بدأت ملامحه تظهر من خلال الفجوة المتزايدة بين المتنفذين الجدد وعموم المجتمع.
في هذا السياق، يصبح اللجوء إلى المقارنة بتجارب انتقالية أخرى ضرورة منهجية.
فالدول التي نجحت نسبيًا في عبور مراحل انتقالية معقدة، لم تفعل ذلك عبر احتكار السلطة، بل عبر إدراك مبكر لخطورة الإقصاء وبناء آليات شمول وتوازن، حتى في ظل اختلال موازين القوة.
في المقابل، تُظهر تجارب الفشل أن السلطة التي تعاملت مع المرحلة الانتقالية بوصفها امتدادًا للغلبة، لا بوصفها لحظة إعادة تأسيس، غالبًا ما أعادت إنتاج أزمات أعمق وأكثر تعقيدًا.
قياسًا على ذلك، تبدو التجربة السورية الحالية في موقع وسط.
فهي لم تنزلق إلى فوضى شاملة، واستطاعت فرض حد أدنى من الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه لم تُظهر بعد انتقالًا واضحًا من ذهنية الجماعة إلى ذهنية الدولة.
الاتفاقات مع قوى محلية كقسد، أو التفاهمات المحتملة مع السويداء ضمن إطار لامركزية إدارية، قد تشكّل فرصة لتعديل هذا المسار إذا أُديرت بوصفها جزءًا من رؤية وطنية جامعة، لا ترتيبات ظرفية لاحتواء الأطراف.
الخلاصة أن الحكم النهائي على هذه التجربة لا يزال مفتوحًا زمنيًا، لكن المؤشرات الحالية تستدعي الحذر لا الاطمئنان.
فالتريث في التقييم مفهوم في سياق انتقالي هش، لكنه لا يجب أن يتحول إلى تبرير لغياب الشفافية أو لتكريس احتكار السلطة.
ما تحتاجه سورية اليوم ليس فقط استقرارًا أمنيًا، بل تحتاج انتقالًا حقيقيًا نحو دولة يشعر المواطن فيها أن صوته مسموع، وأن موارده تُدار لمصلحته، وأن السلطة، مهما كانت خلفيتها، تخضع لقواعد واضحة يمكن محاسبتها وتغييرها.
عند هذا الحد فقط يمكن القول إن المسار يتجه في الاتجاه الصحيح، لا لأنه خالٍ من الأخطاء، بل لأنه يمتلك القدرة على تصحيحها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك