العربي الجديد - التصنيف الأميركي ومصير معتقلي "الإخوان" في مصر إيلاف - خطاب مرتقب لترامب في مرحلة دقيقة من ولايته، ما المتوقع منه؟ العربي الجديد - لا تقتربوا من "صحاب الأرض" قناة تيربو العرب - تويوتا تُغيّر رئيسها التنفيذي في خطوة غير متوقعة العربي الجديد - براءة من المواطن المستثمر والصحافي التلفزيون العربي - أكدت موقفها من سد النهضة.. مصر تنفي منح إثيوبيا منفذًا للبحر الأحمر العربي الجديد - أين مصلحة العرب في المواجهة بين أميركا وإيران سكاي نيوز عربية - خطاب حالة الاتحاد.. ترامب أمام ملفات شائكة داخلية وخارجية العربي الجديد - هل تتّبع إسرائيل التوراة بشأن الإبادة الجماعية؟
عامة

دمشق.. واهبة الثقافة ومانحة الهوية

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ 1 أسبوع

" في دِمَشْقَ/ ينامُ الغريبُ/ على ظلّه واقفاً/ مثل مِئْذَنَةٍ في سرير الأَبد/ لا يَحنُّ إلى بَلدٍ/ أَو أَحَدْ" .تُرى، ما المشهد الذي هزّ كيان الشاعر محمود درويش عندما كتب هذا المقطع الشعري وهو يتمشى...

ملخص مرصد
دمشق، أقدم عواصم العالم المأهولة، شكلت هوية فريدة عبر التاريخ بتأثيرها على سكانها بغض النظر عن أصولهم العرقية. المدينة استقبلت موجات متعاقبة من السكان منذ العصور الرومانية والبيزنطية مروراً بالفتح الإسلامي وحكم الأمويين والعباسيين والسلاجقة والأيوبيين والمماليك والعثمانيين، لكنها حافظت على هويتها الثقافية المميزة. شعراء مثل محمود درويش ونزار قباني يمثلون كيف دمشق تمنح وافديها ثقافتها وهويتها، حيث أصبح نزار قباني - رغم أصوله التركية - رمزاً للشعر الدمشقي.
  • دمشق استقبلت موجات متعاقبة من السكان منذ 11 ألف سنة دون تغيير اسمها
  • معاوية بن أبي سفيان جعل دمشق حاضرة الدنيا وكسب محبة أهلها لأسرته
  • المدينة حافظت على هويتها الثقافية رغم التحولات الاجتماعية والعرقية المتعاقبة
من: دمشق وسكانها عبر التاريخ أين: دمشق، سوريا متى: منذ 11 ألف سنة حتى اليوم

" في دِمَشْقَ/ ينامُ الغريبُ/ على ظلّه واقفاً/ مثل مِئْذَنَةٍ في سرير الأَبد/ لا يَحنُّ إلى بَلدٍ/ أَو أَحَدْ".

تُرى، ما المشهد الذي هزّ كيان الشاعر محمود درويش عندما كتب هذا المقطع الشعري وهو يتمشى مع السماء الحافية في شوارع في دمشق، فلم يعد بحاجة لإعمال الذهن للوزن والقافية ليكتب قصيدته" في دمشق" ومن ثَمّ لم يعد يحنُّ إلى بلد آخر؟دمشق هي من تمنح وافديها ثقافة المكان وتجعلهم يتشربون عاداتها ويُعجنون بهويتها، فمن يتأمل قصيدة في دمشق لمحمود درويش يدرك أن كاتبها بدا وكأن شرايينه هي فروع نهر بردى وقلبه يخفق مع كل الخطى المتجه نحو أبوابها السبعة.

ولا أدلّ على تشكيل الهوية الدمشقية من منطلق الجغرافيا لا من العرق والقومية، إلا شاعر دمشق وعاشقها حتى النخاع نزار قباني القائل:

أنا الدمشقي لو شرحتمُ جسدي لسال منه عناقيد وتفاحُ.

علما أن نزار، ابن البيت الدمشقي العريق، من أجداد هاجروا من مدينة بورصة التركية، أي أنه تركي العرق ودمشقي المنشأ.

ولك أن تتخيل لو أن جد نزار قباني الذي وفد إلى دمشق كان أهل دمشق يصفونه بـ" الغريب" أو" الدخيل" وغيرها من الأوصاف التي تشكل حاليا جدلا فكريا حول" الشومنة" و" الدمشقة" ومن الذي يستحقها ولا يستحقها.

فهل يا ترى دخلت عائلة العظم العريقة في هذا الجدل من قبل؟ أو هل من الممكن على سبيل التندر أن قصر الخضراء شهد هذا الجدل بين معاوية بن أبي سفيان وسرجون بن منصور، كأن يقول الأخير للأول: " أنت لستَ شاميا، أنت بدويا تلبس العمامة وتحتفظ بعادات حجازية لا تنسجم مع البيئة الجديدة"؟التحولات المجتمعية في دمشق قبل الإسلام وفي صدره.

تعد مدينة دمشق أقدم عواصم الدنيا المأهولة، إذ لم تنقطع عنها الحياة لأكثر من 11 ألف سنة، وتعاقبت عليها أمم وممالك تركت حضارات منها ما يعرف ومنها ما لا يعرف.

وحول ذلك تتعدد آراء الباحثين في الإنثربولوجيا وتكثر التكهنات والتخمينات حول أصول معمري دمشق الأوائل ويزداد الجدل الذي لا ينتهي، لكن المقطوع به تاريخيا وهو المهم في هوية دمشق الحالية أنها في الفترة التي سبقت الفتح الإسلامي، أي في العهد الروماني ثم البيزنطي كانت المدينة مركزا دينيا وعسكريا وتجاريا مهمّا ظل يتطور حتى القرن الثالث الهجري حين دخل العرب إلى مدار التأثير في المدينة، بعد تشكيل مملكة الغساسنة في القرن الثالث الميلادي، وامتد سلطانهم من جنوب الأردن حتى تدمر، وبلغت حدود دولتهم غربا بالقرب من دمشق، فاحتكوا مع سكانها وتأثروا وأثروا بهم كما عملوا في الترجمة بين التجار العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية وأهالي دمشق، ثم أصبح العرب جزءا رئيسا من مكونات المدينة.

بعد الفتح الإسلامي لدمشق عام 634م بقيادة الصحابي أبي عبيدة بن الجراح بدأ قادة الفتح يقيمون في المدينة دون اعتراض من الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان يشدد في العراق مثلا على عدم استيطان الفاتحين في الحواضر القديمة وأمر ببناء مدن لهم مثل الكوفة والبصرة.

استناب عمر بن الخطاب يزيد بن أبي سفيان على دمشق وظل واليا عليها حتى وفاته في طاعون عمواس (639م)، فخلفه على ولايتها أخوه معاوية الذي بدأ فور توليه في جعل المدينة مركزا يؤهلها لتكون حاضرة الدنيا في العصور اللاحقة.

وبدهائه السياسي، استطاع معاوية أن يكسب محبة أهل دمشق ويجذب إلى سكناها قبائل عربية كان جلها من اليمانية الذين كاثروا أهلها وخالطوهم حتى غدوا السواد الأعظم فيهم دون أن يسجل التاريخ صراعا مجتمعيا بين العرب الوافدين الجدد والسكان القدامى، خلافا لما حدث في أمصار العراق ومصر، وهكذا بقي معاوية أربعين عاما حاكما لدمشق، عشرون منها واليا وعشرون خليفة، حتى أن أهلها طبعوا على حبه وحب أسرته كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء.

ولما حدثت معركة صفين (657م) بين جيش الشام بقيادة معاوية وجيش العراق بقيادة علي، كان في صف معاوية نحو سبعين ألف مقاتل من عرب الشام، قسم كبير منهم من سكنة دمشق وغوطتيها، يغلب عليهم الحلم والأناة والإخلاص للسلطان إذا أحبوه.

تلك طباع يردها معاوية إلى طبيعة البلد، حيث يذكر محمد كرد علي في كتابه خطط الشام أن معاوية أوصى يزيدا بألا يغرّب أهل الشام عن بلدهم كيلا تفسد طباعهم.

دمشق لم يتغير اسمها ولم تختلف طبائع من سكنها، فهي المؤثرة لا المتأثرة، و" ستُدمشِق" و" تُشومِن" كل ساكنيها والعابرين في تاريخها.

وفي عهد الخليفة الأموي الرابع مروان بن الحكم طرأ تغيّر في التركيبة السكانية لدمشق، حيث هاجر منها جلّ القيسية بعد هزيمتهم أمام اليمانية في معركة مرج راهط (683م) التي انتصر بها مروان باليمانية على القيسية بقيادة الضحاك بن قيس الفهري.

مع تعريب العملة والدواوين في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، برزت هوية دمشق العربية بشكل واضح؛ عرقيا وثقافيا ومعماريا، حتى موظفي الدولة من غير العرب تعلموا لغتهم وتأثروا بهم، فمدينة دمشق في تلك الفترة كانت مركز قرار الدنيا وموئل القلوب والأفئدة، لكن الزمان الذي يأتي بالمسرات يفاجئك بالمضرات.

في الرابع عشر من رمضان عام 132 للهجرة (750م) دخل مسوّدة بني العباس دمشق وأعملوا بأهلها السيف وبأسوارها الهدم حتى هجرها بنو أمية وكثير من العرب معهم بسبب جرائم العناصر الأعجمية في جيش بني العباس، ثم عانت إهمالا ممنهجا غيبها عن مركز صنع القرار، فدخلت المدينة في مرحلة انقطاع تاريخي لم يُعرف من أعلامها إلا القليل، ولا من تاريخها إلا المواجيز، ومن يقرأ تاريخ دمشق لابن عساكر سيرى أن دمشق في فترة بني العباس الأولى كانت مدينة هامشية لا تأثير لها.

وهكذا بقيت أوضاعها في انحدار إلى أن وصلت إلى مرحلة الحضيض في الحقبة العباسية الثانية.

بعد سيطرة السلاجقة الترك على معظم العالم الإسلامي، دخلت دمشق في حكمهم.

وبطبيعة الحال، بدأ توافد الأسر التركية إلى المدينة بسبب العمل في مجالات الدولة، وهم بالمناسبة من ابتدعوا لاحقة" الدين" في كُنى الأسماء، لذلك نرى أن جُل أعلام دمشق في القرن الخامس الهجري وما بعده يتكنون بـ" تقي الدين- ركن الدين- سيف الدين.

إلخ".

وبعد السلاجقة جاء الزنكيون الترك أيضا، وبعصرهم بدأ نجم دمشق يلمع مجددا في كل المجالات، وخصوصا في عهد نور الدين زنكي محمود الذي ينسب له البيمارستان النوري والحمّام الشهير، وقام بتطوير المدينة وإنعاشها من جديد، وكذلك في عهد خليفته صلاح الدين الأيوبي.

ولم يتغير الحال في العهد اللاحق له، وهو عهد المماليك، ومن ثم العثمانيين.

وشهدت المدينة في كل تلك القرون تحولات اجتماعية وثقافية يضيق المجال عن تفصيلها.

دمشق واهبة الثقافة ومانحة الهوية.

تبدل سكان دمشق عشرات المرات، ومر أهلها بمنعطفات مجتمعية، تجعل من الصعب إحصاء أصول وأعراق من دُفن تحت ثراها أو من وقف فوق قاسيونها، ومع ذلك بقي شيء ثابت أن دمشق لم يتغير اسمها ولم تختلف طبائع من سكنها، فهي المؤثرة لا المتأثرة، و" ستُدمشِق" و" تُشومِن" كل ساكنيها والعابرين في تاريخها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك