قبل أسابيع قليلة، وبين أروقة" أسبوع الطاقة" في ولاية غوا الهندية، لم تفلح محاولات انتزاع إجابة صريحة من وزير النفط والغاز الهندي هارديب سينغ بوري، حول سبب تعثر التوصل إلى اتفاق تجاري شامل بين الهند والولايات المتحدة.
لم تمض سوى 6 أيام حتى أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدنة.
ففي 2 فبراير، قرر ترامب إلغاء رسوم قدرها 25% كانت مفروضة على واردات الهند من النفط الروسي، معلناً أن نيودلهي تعهدت بوقف هذه المشتريات.
لكن اللافت أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي لم يشر إلى هذا" التعهد" في منشوره عبر منصة X، كما خلا البيان المشترك بين البلدين من أي ذكر لهذا الالتزام.
ورغم الغموض، بدا أن هذه الخطوة كانت محاولة ضرورية لإعادة ضبط العلاقات التي وصلت إلى مستوى متدن، بحسب فاسوكي شاستري، مستشار في شركة" Gatehouse" للاستشارات الجيوسياسية، الذي قال إن واشنطن" لا تريد خسارة الهند"، بينما تسعى نيودلهي إلى الاستقرار.
ووصف الاتفاق بأنه" نقطة وسط" تتيح لكليهما الخروج من الأزمة دون خسائر سياسية.
طوال الأشهر الماضية، ورغم صدمة الهند من قرار ترامب بفرض العقوبات، لم تعلن نيودلهي وقف وارداتها من النفط الروسي، ولم تلمّح حتى إلى ذلك.
فالهند تستورد بين 85% و90% من احتياجاتها من الخام، ورغم أن مشترياتها من روسيا كانت محدودة قبل جائحة كورونا، إلا أنها قفزت بنحو 40% بعد الحرب الأوكرانية بسبب الخصومات الضخمة.
ومع فرض الرسوم الأميركية، بدأت الواردات تتراجع تدريجياً لتقترب من 20% مؤخراً، وفق بيانات Kpler.
ورغم إعلان ترامب عن التزام هندي، لم يؤكد وزير التجارة بيوش غويال ولا الخارجية الهندية هذا الأمر.
بل قال وكيل وزارة الخارجية فيكرام ميسري إن سياسة الطاقة الهندية تحدد بناءً على توافر الإمدادات والأسعار.
ويصف شاستري هذا الموقف بأنه الرد المثالي لأن الطاقة قضية أمن قومي.
ثم جاء تطور آخر؛ وزارة التجارة الأميركية عدّلت بيانها حول الاتفاق التجاري، فأزالت البقوليات من قائمة السلع التي ستخفض الهند الرسوم عليها، واستبدلت كلمة" ملتزمة" بعبارة" تنوي" شراء منتجات أميركية بقيمة 500 مليار دولار خلال 5 سنوات.
خطوة اعتبرها شاستري جزءاً من إدارة سردية مشتركة تقوم على ترك الأمور غامضة بدل الخضوع لضغوط سياسية.
ويذهب أجاي سريفاستافا، المفاوض التجاري الهندي السابق، إلى أن هذا أفضل سيناريو للهند: " غموض استراتيجي يجنبها الحرج، ويتيح للولايات المتحدة الادعاء بأنها حققت تقدماً".
ورغم أن الاتفاق الحالي لا يزال مؤقتاً، يقول غويال إن النسخة النهائية ستوقع في مارس، فيما يظل السؤال الكبير، هل سيكون النفط الروسي هو" الفيل في الغرفة" الذي يهدد المفاوضات المقبلة؟لغز روسيا.
شريك لا يمكن تجاوزه.
تتسع مساحة الغموض أكثر مع احتمالات وجود تفاهمات خلف الكواليس مع موسكو.
فالهند تعتمد تاريخياً على روسيا في تلبية جزء كبير من احتياجاتها الدفاعية.
وعندما أعلن ترامب أن الهند" تعهدت بوقف استيراد النفط الروسي"، جاء رد الكرملين سريعاً: " لم نتلق أي معلومات من نيودلهي بهذا الشأن".
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان عبارة تشرشل الشهيرة: " روسيا لغز داخل لغز.
".
ويرى محلل" Kpler"، سومت ريتوليا، أن الهند لن توقف مشترياتها بالكامل، متوقعاً انخفاضاً تدريجياً من 20% إلى نحو 15%، لكنه يستبعد الهبوط إلى مستويات أقل.
وتبقى شركة" Nayara Energy" مثالاً واضحاً، فهي مملوكة بغالبيتها لجهات روسية على رأسها" Rosneft" الخاضعة للعقوبات الأميركية.
أسواق النفط مرتاحة.
والسياسة تهدأ.
في الأسواق، يبدو أن المستثمرين رحبوا بالهدنة.
قال فيفيك شارما من" Nuvama Asset Services" إن الهند لعبت بذكاء عبر الحفاظ على غموضها، إذ بقيت قريبة من واشنطن دون أن تخسر موسكو.
ومع توقعات بقاء أسعار النفط منخفضة أو متراجعة، ستكون نيودلهي قادرة على خفض مشترياتها من روسيا مع الادعاء أنها تستجيب" لآليات السوق".
ويرى ريتوليا أن التراجع لن يؤثر على الأسعار العالمية كثيراً، إذ سيحدث ما يسميه" إعادة تدوير التجارة".
ستشتري الصين نفط روسيا غير المباع للهند، مقابل تخليها عن جزء من وارداتها من الشرق الأوسط، لتحول الهند جزءاً من مشترياتها إلى هناك، ما يمنح مزيج دبي النفطي سعراً أعلى قليلاً.
لكن الخطر الأكبر على السوق، بحسب المحللين، هو احتمال اندلاع صراع أميركي-إيراني.
اقتصاد الهند.
دعم من التجارة وأسئلة من الأسواق.
يواصل البنك المركزي الهندي تثبيت أسعار الفائدة، في وقت تستعد البلاد لجني ثمار الاتفاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ويقول المحافظ سانجاي مالهوترا إن نجاح هذه الصفقات يدعم آفاق الاقتصاد.
كما أعلنت نيودلهي استعدادها لصفقة شراء طائرات من بوينغ بقيمة تصل إلى 80 مليار دولار، وهي إشارة جديدة إلى رغبتها في توسيع التجارة مع واشنطن.
وفي الأسواق، تراجع مؤشر Nifty 50 بنسبة 0.
4% بعد 4 جلسات من الصعود، وفقد ما يزيد على 1% منذ بداية العام.
أما عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات فارتفع قليلاً إلى 6.
709%.
في حين صعدت الروبية 0.
16% إلى 90.
58 مقابل الدولار، لكنها لا تزال منخفضة نحو 0.
8% منذ بداية العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك