غزة- «القدس العربي»: في صباحٍ غزّيٍّ مثقلٍ بالغبار والذاكرة، كانت أروى تُعيد ترتيب يومها كما تُعيد ترتيب ساقها الجديدة.
لا شيء في المشهد يوحي بالعادية؛ خيمةٌ تحلّ محلَّ بيت، وجامعةٌ تُستكمَل بحدٍّ أدنى من الإمكانيات، وطرفٌ صناعيٌّ يختصر مسافةً طويلةً بين الفقد والاستمرار.
ومع ذلك، تمضي أروى إلى يومها كأنها تُنقذ الحياة من فكرة التوقّف.
أروى، الطالبة الجامعية في تخصص هندسة البرمجيات، واحدةٌ من آلاف الشابات الغزّيات اللواتي غيّرت الحرب مسارات أجسادهن، لكنها اختارت ألّا تُغيّر مسار حلمها.
منذ أن فقدت ساقها في قصفٍ استهدف منطقة «الفاخورة» شمال قطاع غزة، خلال العام الأول من الإبادة، لم تعد الحياة كما كانت، لكنها لم تُلغَ من جدول أيامها.
هكذا تبدأ الحكاية: بترٌ مفاجئ، ودهشةُ نجاة، ثم رحلةٌ شاقة نحو طرفٍ صناعي أعاد إليها أكثر من قدرةٍ على المشي.
في مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية، لم تكن أروى مجرّد ملفٍّ طبي، بل حكايةً تُروى على مهل.
هناك، تداخل الألم مع التدريب، والدمع مع الأمل، حتى صار للطالبة الغزية ساقٌ جديدة، وحياةٌ تُعاد صياغتها خطوةً خطوة.
لم تكن أروى تتخيّل أن ضربةً واحدةً ستختصر كل تلك المسافة بين الوقوف والسقوط.
«لقد أُصبتُ جراء قصفٍ استهدف منطقة الفاخورة، شمال قطاع غزة، مما أدى إلى بتر ساقي»، تقول بصوتٍ هادئٍ لا يخلو من رجفة ذاكرة.
كان البتر لحظةً فاصلة، لا في الجسد فقط، بل في الإحساس الكامل بالحياة.
بعد العملية، دخلت أروى مرحلةً ثقيلةً من المعاناة النفسية والجسدية: جسدٌ ناقص، وواقعٌ يزداد قسوة، وطالبةٌ جامعية تجد نفسها فجأة خارج إيقاع الحياة المعتاد.
«عانيتُ كثيرًا بعد عملية البتر، خاصةً أنني طالبةٌ جامعية في مقتبل العمر»، تضيف، مستعيدةً تلك الأيام التي بدت فيها الغرفة أضيق من قدرتها على التنفّس.
كانت العزلة أقسى ما واجهته: أربعٌ وعشرون ساعة داخل البيت، بلا حركة، بلا خروج، بلا شعورٍ بالاستقلال.
تحوّلت الأيام إلى نسخٍ متشابهة من الانتظار، وانتقل ثقل الحرب من الخارج إلى داخل الجسد.
لكن هذا الركود لم يكن نهاية الحكاية، بل مقدّمةً لتحوّلٍ مقبل.
حين وصلت أروى إلى مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، بدأت صفحةٌ جديدةٌ تُكتب ببطء، ولكن بثبات.
«توجّهتُ إلى مستشفى حمد، حيث استقبلوني وقدموا لي الرعاية اللازمة، وقاموا بتهيئة حالتي وتأهيلي جسديًا ونفسيًا لتركيب الطرف الصناعي»، تقول، وكأنها تسترجع أول لحظةٍ شعرت فيها بالأمان بعد فقدٍ طويل.
لم تكن رحلة التأهيل سهلة: ثلاثةُ أشهرٍ من التدريب، والتقييم، ومحاولات الوقوف الأولى، وسقوطٍ يعقبه نهوض.
كان الجسد يتعلّم لغةً جديدة، وكانت النفس تُقنع نفسها بأن العودة ممكنة.
في كل جلسة، كانت أروى تُعيد اكتشاف قدرتها على الاحتمال.
«استغرقت هذه الرحلة نحو ثلاثة أشهر، ثم جرى تركيب الطرف بنجاح»، تقول بابتسامةٍ لا تُرى ولكن تُحسّ.
لحظة التركيب لم تكن تقنيةً فحسب، بل كانت إعلانًا داخليًا بأن الحياة لم تُغلق بابها بعد، وأن ما فُقد يمكن أن يُعوَّض، ولو جزئيًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك