حين تُذكر إمارة دبي بوصفها عقدة في خريطة التجارة العالمية، يطلّ اسم سلطان أحمد بن سليم بصفته أحد الذين صاغوا هذه الصورة من الداخل.
لم يبدأ حكايته من قاعات بروتوكولية، بل من تفاصيل الميناء وإيقاعه اليومي، ثم مضى يصعد درجة بعد درجة حتى صار من رموز" اقتصاد المرافئ" في الإمارة، بل سلطان الموانئ، حيث تلتقي السلطة الاقتصادية بالنفوذ التنظيمي وتتشابك المصالح عبر شبكات تمتد خارج الخليج.
" إمبراطور" موانئ دبي سلطان بن سليم لم يعد يُستحضر اليوم فقط بوصفه مهندساً لبوابات التجارة في دبي، بل بوصفه اسماً قفز فجأة إلى واجهة المنصات ووسائل الإعلام بسبب وثائق مرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين.
فبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن مواد من وزارة العدل الأميركية، فإن الوثائق تتضمن مراسلات وإشارات إلى علاقة ممتدة بعد إدانة إبستين عام 2008، بتهم تشمل استغلال قاصر للدعارة، وهو ما جعل اسم الرجل يشغل المشهد لا باعتباره خبراً عابراً، بل قصة تضع السمعة في مواجهة الضوء القاسي للوثيقة.
لكن وراء كل هذا، النتيجة كانت تعليق جهات دولية استثماراتها مع موانئ دبي، فالسمعة لا تُطرح في المزاد بالنسبة للمؤسسات العالمية، وهي تعي أن أي خطأ ولو على حافة البحر، يمكنه أن يغرق السفينة بكاملها، حتى لو كان الربان هو مسيّر هذه الموانئ.
الأمر لا يقتصر فقط على الاسم، فقد يختفي عن الأنظار، لكن السمعة في قلب الإعصار، فالرجل يجمع بين قيادة تنفيذية عالمية وتنظيم محلي يلامس نبض الاقتصاد اليومي.
وهنا تحديداً تظهر ظلال القضية على المؤسسات التي يرأسها ويديرها لا على الشخص والمنصب فقط، وهذا ما حدث في سويعات قليلة تلت انتشار الخبر، إذ أفادت وكالتا رويترز وبلومبيرغ، أمس الأربعاء، بأنّ المؤسسة البريطانية للتنمية والتمويل البالغة قيمتها 13.
6 مليار دولار والمملوكة بالكامل لحكومة المملكة المتحدة، علقت استثماراتها مع موانئ دبي العالمية لغاية البت في قضية إمبراطور الموانئ.
وقبل ذلك بيوم أعلن صندوق التقاعد الكندي، البالغ حجمه 366 مليار دولار، ويعتبر ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا، تعليق خططه الاستثمارية المستقبلية مع موانئ دبي العالمية إلى أن تتضح الرؤية.
تداول اسم سلطان أحمد بن سليم والحديث عن مراسلات وارتباطات مع إبستين كان كافياً لإعادة تشكيل النظرة إلى صورته العامة وشبكة علاقاته، ويكفي أيضاً لتذكير أي مسؤول يقف على قمة الاقتصاد العالمي بأن السمعة قد تكون أسرع الأصول تقلّباً، وأن أزمة الوثيقة قد تسبق أزمة السوق، وأن السؤال الأخلاقي أحياناً يسبق السؤال المالي بخطوة واحدة.
في فبراير/ شباط الجاري عاد اسم سلطان أحمد بن سليم إلى الواجهة بعد تداول مواد مرتبطة بملفات جيفري إبستين تتضمن مراسلات وإشارات إلى علاقة ممتدة بين الطرفين حتى بعد إدانة إبستين عام 2008.
كما تتضمن الوثائق وفقاً لوكالة رويترز، رسائل بريد إلكتروني ورسائل نصية تُظهر على ما يبدو مناقشات بين الرجلين حول الأعمال، ومحادثات حول الجنس، وخططاً لزيارة جزيرة إبستين في البحر الكاريبي.
وانتقلت القصة إلى سجال مؤسسي داخل الولايات المتحدة.
ففي العاشر من فبراير/شباط 2026، قال النائب رو خانا إنه تمكن مع النائب توماس ماسي من تحديد أسماء ستة رجال كانت أسماؤهم محجوبة في أجزاء من ملفات إبستين، وذكر ضمنهم اسم بن سليم.
عند هذه النقطة تتغير" لغة القصة" فعلاً، لأن الأمر لا يبدو مجرد تداول إعلامي، بل يتحول إلى جدل حول الشفافية والحجب وحدود نشر الوثائق، وهو جدل يُلقي بظلاله على كل اسم يخرج إلى العلن.
وحين يُذكر اسم رجل يقود مؤسسة عالمية في سياق قضية من أكثر القضايا صدمة في الوعي العام، يصبح السؤال تلقائيًاً عن طبيعة القرب وحدوده، وعن أثره في منظومة الثقة التي تقوم عليها العلاقات الاقتصادية.
ونقلت وكالة رويترز تفاصيل صادمة عن مضمون هذه المراسلات، إذ قالت إنّ" بن سليم شارك تجاربه الجنسية مع إبستين عبرهذه الرسائل".
لكن الرسالة الأكثر لفتاً للانتباه ربما التي أرسلها إبستين في 24 إبريل/ نيسان 2009 إلى بن سليم يعبّر له" عن إعجابه بفيديو التعذيب الذي أرسله له"، من دون أن يتضح المقصود به.
وتواصل وكالة رويترز سرد التفاصيل، وتذكر أنه" في عام 2016، عُرضت جزيرة غريت سانت جيمس للبيع، وكان إبستين يمتلك بالفعل جزيرة ليتل سانت جيمس، لكن مالك الجزيرة الأكبر رفض بيعها له لكونه مسجلاً بصفة مجرم جنسي.
ولشرائها سرّاً، أنشأ إبستين شركة ذات مسؤولية محدودة باسم بن سليم لإتمام عملية الشراء التي بلغت قيمتها 22.
5 مليون دولار".
وبحسب" رويترز"، فإنّ" هناك مراسلات أخرى بين الرجلين تُظهر أنّ بن سليم سهّل نقل مدلكة إبستين إلى منتجع صحي في تركيا للتدريب، وأنه أرسل لإبستين رابطاً لموقع إباحي، وأن إبستين نصح بن سليم بشأن حضور حفل تنصيب (دونالد) ترامب الأول".
وتضيف الوكالة أنّ" بن سليم أرسل بريداً إلكترونياً إلى إبستين يقول فيه وصلت الأوكرانية والمولدوفية.
خيبة أمل كبيرة، فالمولدوفية ليست جذابة كما في الصورة".
وتابعت" رويترز" " لقد لمّح إبستين إلى أنّ النساء قد حسّنَّ مظهرهنّ باستخدام برنامج فوتوشوب، فردّ عليه بن سليم قائلاً ليس هذا فحسب، بل إنها كانت قصيرة ونحيفة للغاية".
وفي صورة بين الوثائق المنشورة على موقع وزارة العدل الأميركية، يظهر إبستين إلى جانب سلطان أحمد بن سليم، بتاريخ الثامن من مايو/ أيار 2014، وهما ينظران إلى نسخة مصغّرة من كسوة الكعبة.
وحاولت وكالة رويترز أن تحصل على رد من بن سليم أو من موانئ دبي ولم تتلق إجابة بعد، ورغم ذلك أشارت إلى أن ورود اسم أي شخص في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكابه نشاطاً إجرامياً.
في ظرف يومين، شُغّلت محركات البحث حول هوية إمبراطور موانئ دبي سلطان أحمد بن سليم، ومن يكون، وكيف وصل لهذه المناصب إلى أن جلس في طاولة واحدة مع إبستين وتقاسم معه تحضير وجبات الغداء.
ولد الرجل عام 1955، وتلقى تكوينه الأكاديمي في الاقتصاد بالجامعة الأميركية في فيلادلفيا (تيمبل)، فحمل معه لغة الأرقام والحوكمة، غير أن مسيرته صاغتها الجغرافيا قبل أي شيء.
تعرّف بن سليم إلى الاقتصاد من بوابته الأكثر صلابة، أي بوابة العبور والرسوم والحركة، ثم جعل من الميناء والمنطقة الحرة والشبكات اللوجستية مساراً مهنياً متصلاً يتطور مع توسع دبي نفسها.
بعد التخرج عمل في الجمارك بميناء دبي، ثم أُسندت إليه قيادة منطقة جبل علي الحرة (جافزا)، وهي منطقة حرة كبرى في دبي تُعد منصة لاستقطاب الشركات والتجارة وإعادة التصدير.
هناك لم تكن الإدارة مجرد تسيير يومي، بل كانت هندسة بيئة أعمال كاملة، تُحوّل الامتيازات التنظيمية إلى جاذبية استثمارية، وتبني نموذجاً يجعل المنطقة الحرة مصدر نفوذ اقتصادي بقدر ما هي مولّد وظائف وتدفقات تجارية.
ومع مرور الوقت اتسع العنوان الأكبر، فبرز دوره في موانئ دبي العالمية، حيث يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي.
هذه المؤسسة لا تُختزل في أرصفة وحاويات، لأنها تدير منظومة متكاملة تمتد من تشغيل الموانئ والمحطات، إلى الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مروراً بالمناطق الاقتصادية والحلول المرتبطة بالتجارة العالمية.
وفي موقعه هذا يصبح القرار أشبه بإدارة" حركة العالم" من زاوية دبي، عبر عقود امتياز وشبكات تشغيل وممرات بحرية وبرية تتقاطع عندها التجارة بالتمويل والخدمات.
ويتقاطع نفوذ سلطان أحمد بن سليم التنفيذي مع نفوذ تنظيمي محلي عبر رئاسته لمؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة، وهي جهة حكومية في دبي تشرف على الموانئ والجمارك والمناطق الحرة.
فالمؤسسة تمثل مظلة تجمع وظائف التشغيل والرقابة والإجراءات، ما يجعلها نقطة تماس بين قواعد الدولة وإيقاع السوق، وبين متطلبات الأمن والتسهيل التجاري.
وفي هذا المستوى يصبح الموقع ليس إدارياً فحسب، بل مؤثراً في مناخ الأعمال نفسه عبر السياسات التنفيذية والأنظمة والإجراءات التي تُترجم على الأرض.
ولفهم الحجم العالمي لمسار موانئ دبي العالمية، تُستحضر محطة الاستحواذ على شركة" بنينسولار آند أورينتال ستيم نافيغيشن" وهي مجموعة بريطانية تاريخية في إدارة الموانئ والخدمات البحرية.
واعتبرت الصفقة في مارس/ آذار 2006، لحظة تأسيسية لمرحلة صعود دولي أوسع، إذ لم تكن مجرد توسع في الأصول بل توسعاً في النفوذ، وفي القدرة على إدارة مرافئ في أسواق متعددة ومعايير مختلفة، بما يرسّخ موقع الشركة ضمن كبار مشغلي الموانئ عالمياً.
وإلى جانب المرفأ حضر العقار في مسيرته من خلال شركة التطوير العقاري في دبي المعروفة بمشروعات الجزر الاصطناعية" (نخيل)، وهو حضور يكشف منطق المدينة نفسه، حيث تتحول الجغرافيا إلى أصل مالي، ثم إلى علامة تجارية تتناقلها صور المشاريع الكبرى.
قوة بن سليم لم تكن تنبع من منصب واحد بقدر ما كانت تأتي من قدرته على جمع المتباعد.
دولة تحتاج واجهة اقتصادية تُحسن إدارة بوابات التجارة، وشركات تبحث عن ممرات موثوقة وفعّالة، وعالم يتعامل مع الميناء باعتباره صمام أمن وتموين.
وفي مثل هذا الموقع تصبح السمعة جزءاً من رأس المال، وتتحول الثقة إلى أصل لا يقل قيمة عن الأصول المادية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك