عشية انعقاد مؤتمر ميونخ للأمن بحضور أكثر من 65 رئيس دولة وحكومة، يحذّر تقريره السنوي من دخول أوروبا حقبة مواجهة طويلة مع تصاعد الحرب الروسية وما وُصفت بالأنشطة الهجينة مقابل تآكل نظام ما بعد الحرب الباردة، في ظل إشارات واضحة إلى تراجع ثقة أوروبا بالولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب، مع اتهامات لواشنطن بإضعاف النظام الدولي وتفكيكه وتقليص دور الولايات المتحدة كضامن أمني.
وفي عالم قابل للذهاب نحو مواجهة واسعة في ملفات عدة، حيث تتراجع القواعد الدولية لصالح منطق القوة وتتصاعد سياسات التدمير، يؤكد التقرير أن المؤتمر نادرًا ما واجه هذا الكم من الأسئلة المصيرية دفعة واحدة: أمن أوروبا في ظل تهديدات متصاعدة، ومتانة الشراكة عبر الأطلسي، وتراجع قُدرة المجتمع الدولي على العمل بفاعلية.
وأمام هذا، تدعو الولايات المتحدة خلال اجتماع وزراء الدفاع في بروكسل دول الناتو إلى الشراكة لا التَّبعية.
ويتزامن إعلان الحلف نقل مراكز قيادة رئيسية فيه إلى ضباط أوروبيين، مع ما قالته وكالة" رويترز" عن دراسة إدارة ترمب التخلي عن دور القائد الأعلى للناتو في أوروبا لأول مرة منذ عام 1951.
وأكد الأمين العام للحلف مارك روته زيادة كبيرة في إنفاق الحلفاء على الدفاع في ظل تصاعد التوتر حول ملف جزيرة غرينلاند وارتفاع المخاوف من زيادة النشاط العسكري الروسي وتأثيره على الأمن الأوروبي.
وفي هذا الإطار، يشير أستاذ الدراسات الأوروبية بجامعة ستانفورد في برلين الدكتور أولريك بروكنر إلى أن منظمي مؤتمر ميونخ ينفذون استراتيجية إعلامية لأنه إذا جرى رسم صورة متزنة فلن يحظى المؤتمر بالاهتمام المطلوب.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من برلين، يرى بروكنر أن ذلك يفسر الصورة المظلمة التي يحاول التقرير إظهارها.
ويقول: " إن الناتو مستمر ونحن نعيش في ظل التغيرات التي تواجه عالمنا".
ويوضح أن الأوروبيين يحاولون التعبير بطريقة مقلقة، مؤكدًا أن هناك قلقًا بشأن العلاقات مع الولايات المتحدة، التي لم تعد كما كانت منذ الحرب العالمية الثانية.
ويضيف: " نحن نتابع ما جرت مناقشته في المؤتمر الماضي، والتغيير في الإنفاق الدفاعي، وتموضع الاتحاد الأوروبي تجاه الاستقلال الاستراتيجي".
واشنطن تعيد ترتيب النظام العالمي.
من جانبه، يستبعد المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، نورمان رول، أن يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بناء نظام جديد، ويرى أن اللغة المستخدمة في تقرير مؤتمر ميونخ تُطلق إنذارًا.
ويلفت إلى أنه يجب قراءة التقرير في ضوء استراتيجية الأمن الوطني التي أعلنها الرئيس الأميركي، والتي أوردت أن أوروبا تشكّل عاملًا أساسيًا لازدهار الولايات المتحدة ولدورها في العالم.
كما تدعو الوثيقة الولايات المتحدة إلى إنشاء علاقة قوية مع أوروبا.
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من واشنطن، يشير رول إلى أن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة اصطفاف، بحيث تتحمل الدول الأوروبية مسؤولياتها ضمن حلف الناتو، إذ إن الإدارة الأميركية لن تقبل بألا تنفق الدول الأوروبية ما نسبته 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.
ويقول رول: " تحاول الولايات المتحدة إعادة ترتيب النظام العالمي لا تغييره"، مشيرًا إلى أن المسائل التجارية تحتل مكانة في هذا النظام.
كما يؤكد أن التحالف عبر الأطلسي لا يزال متماسكًا رغم الخلافات بشأن غرينلاند وغيرها من القضايا".
من جهته، يلفت رئيس برنامج الدراسات الأمنية النقدية في معهد الدوحة للدراسات العليا، الدكتور عمر عاشور، إلى مخاوف أوروبية محقّة، موضحًا أن أوكرانيا جزء من أوروبا.
ويشير إلى أن أوروبا عجزت عن ردّ العدوان على أوكرانيا عام 2014، رغم أن مذكرة بودابيست للضمانات الأمنية تنص على الحفاظ على وحدة الأراضي الأوكرانية.
ثم تعرّضت أوكرانيا لهجوم عام 2022، ولم تتدخل الدول الأوروبية للدفاع عنها.
وفي حديث من أستوديو التلفزيون العربي في لوسيل، أشار عاشور إلى تقلّص القوة العسكرية للدول الأوروبية مقابل توسّعها السياسي، موضحًا أنها كانت تعتمد على الولايات المتحدة الأميركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك