يقول المصريون إن من في القلب يمكث متأبداً فيه أو" اللي في القلب في القلب" ولها معنيان نستحضر الإيجابي منهما، فلدمشق مكان خاص في فؤاد القاهرة كما للمحروسة منزلة لا تقل شأناً.
كيف لا والبلدان كانا إقليمين في جمهورية واحدة، وحاربا معاً عدواً يتربص بهما الدوائر حتى اليوم، موقداً عبر لجانه الإلكترونية نار فتنة يلغ فيها سفهاء مصر وليس قريش هذه المرة، وإن كانت هلكة الدول والأمم تكون على أيديهم المستحقة للضرب عليها بقوانين مواجهة خطاب الكراهية العنصرية والمساس بالنظام العام.
ولأننا متوطنون في بلاد لا تعرف هذا الترف! ، فلا نملك إلا استدعاء وشائج تاريخ تعشم فيه السوريون المنتقلون في زمن الثورة إلى ما كان يعرف بالإقليم الجنوبي لشمال هم أهله، فكان أن صدقهم المصريون حباً واحتواءً، ومن ثم لا إطناب في استحضار سيرة لم ولن تنفض في وجدان الشعبين، لا سيما الآن في زمن حملات تنمر رقمي جديدة/قديمة يمتلئ المرء غيظاً من إجرام خطابها الداعي إلى طرد السوريين، تزامناً مع تحركات أمنية للتدقيق في الأوراق والإقامات، وحملات تفتيش في أحياء ينتشرون فيها، أسفرت عن احتجاز وترحيل بعضهم، كما وثقت تقارير منظمات حقوقية.
العتب على قدر المحبة، يقول السوريون ولهم كل الحق انطلاقاً من أن" المكان يختار لأهله مهماتهم"، بتعبير المفكر والعلامة الجغرافي جمال حمدان، ولربما لا يعرف كثير من المصريين ما قاله، لكن فطرتهم النقية تترجمه في معاملات يومية ودية وأحاديث فكاهية من قبيل الطريق إلى قلوب الشعوب كالرجال يبدأ من المعدة، والسوريون أكلهم حلو ومعاملاتهم أحلى، وقد اندمجوا في الحياة اليومية عملاً واستثماراً فليسوا عالة على أحد، وما من داع لبيان أثرهم الطيب اقتصاداً ونمواً، فالأرقام موجودة في مصادرها المصرية والدولية المعتبرة لمن أراد الرجوع إليها.
عموماً" ليس بين الخيرين حساب" بحسب المثال الشعبي الشائع، بيد أن تفسير ما يجري افتراضياً وواقعاً لا مفرّ من إحالته إلى أزمة مكتومة بين القاهرة ودمشق منذ سقط بشار الأسد، فلم تهضم مصر النظام الجديد، ومقاربتها العلاقات معه تقوم على قاعدة الحذر والترقب، أولاً لرفضها طريقة وصوله إلى السلطة بعد ثورة شعبية مسلحة كانت مضرب مثال الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة لدى حديثه عن انهيار الدول قائلاً" اللي عمل كده في سورية همّا أهلها"، وثانياً: لانتماء رأس النظام السوري الجديد إلى الإسلام السياسي بنسخته الجهادية المحاربة مصرياً، وهكذا لم يشفع للرئيس أحمد الشرع مبادراته المتوالية تجاه القاهرة وإبدائه مرونة إيجابية في الإشادة بالرئيس السيسي وحديثه عن أنه" عشنا في البيت على النغمة المصرية، ووالدي ناصري وحدوي وعندنا تعلق بمصر وشعور بالانتماء بها".
ومع أن دمشق قدمت" السبت" متماهية مع النهج المصري الأمني وقبله العربي، بإيقاف مصري من رفقة السلاح شارك في ثورتها مانعة إياه من أي تعليق يخص بلاده، كما رفضت دخول آخر قادماً من تركيا، إلا أن القاهرة لم ترد بـ" الأحد"، وقد ظهر هذا في تقييم الشرع العلاقة مع القاهرة بأنها" مقبولة" في حين أنها مع تركيا والسعودية وقطر والإمارات" مثالية"، وقبلهم جميعاً أميركا الحليف الأكبر لمصر، ما يفتح باباً لأسئلة من قبيل، ماذا تنتظر القاهرة؟ ما الذي تترقبه؟ إن لم تمد يدها إلى دمشق في لحظات ضعف واحتياج لكل أشكال الدعم فمتى تتحرك؟ أحين لا يعود لدعمها أي فائدة؟
إن البطء في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يقضي على أي حتمال لفاعلية مبتغاة، والأنكى تدميره رصيد مصر لدى السوريين بمرور الأيام وتكرار أفعال كقرارت الترحيل التي لا يجادل أحد في أنها حق سيادي لكل دولة، غير أن ما يجري أثناءها وما تنقله المنظمات الحقوقية والمواقع الإخبارية المصرية حول تشدد في إجراءات الموافقة على تجديد أو إصدار تصاريح الإقامة باهظة الثمن خلقا حالة من المخالفة القانونية القسرية، والوصف لتقرير صادر عن منصة اللاجئين في مصر، وفي المحصلة، لن يجد هؤلاء من حل سوى العودة إلى بلادهم، ومرة ثانية هذا حق للدولة المصرية، لكن فارقاً شاسعاً بين رجوعهم سفراءَ للقاهرة يحنون إلى أيامهم فيها ويعودون إلى ممتلكاتهم ومشاريعهم لزيارتها كل سنة، وبين كرب صدمة ترك كل شيء الآن الآن وليس غداً، وخسارة سنوات من الكد والتعب في وطنهم الثاني فعلاً وقولاً.
على هذا، لا مناص من حوار هادئ ومباشر بين البلدين وصولاً إلى كلمة سواء، تفهم من خلالها دمشق ماذا تريد القاهرة بالضبط؟ كيف يمكن الوصول إلى تفاهم وحلول وسط؟ ولا أمهر من السوريين في هذا، وبالإمكان البناء على نفي وزارة الداخلية المصرية اتخاذ أي إجراءات جديدة تتعلق بدخول السوريين إلى البلاد، وحسناً فعلت في تعاملها السريع إنكاراً لأخبار سيارة تفاقم استنزاف مكانة وإرثاً يصلحان للبناء عليهما عند صياغة دور مصري إن ارتأته القاهرة يوماً ما في دمشق، التي كانت ولا تزال درعاً لها، وبالتأكيد مهما كان حامله لن يغدو زائفاً كسورية الأسد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك