حفظُ القرآن لا يمنح عصمة ذاتية لمن يحمله، ولا يُنشئ ضميرا تلقائيا؛ فهو إما أن يكون ميزانا صارما للسلوك، أو يتحول إذا انفصل عن العمل، إلى غطاء أخلاقي زائف يُستعار لتبرير الانحراف؛ فالمقدس هو القرآن ذاته، لا حاملوه، والمسؤولية عن الأفعال المخالفة للشرع لا تمحوها كثرة التلاوة، ولا يرفعها صيت التعليم.
وقد حسم النص القرآني هذا المبدأ بوضوح قاطع" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره".
والتاريخ، في وقائعه الصلبة المتفق عليها، لا يخضع للمجاملة؛ فقارئ القرآن قد يكون قاتلا، ومعلم القرآن قد يكون ظالما.
فالمصادر التاريخية تتفق على أن عبد الرحمن بن ملجم كان من أهل القرآن، يُقرئه ويُعلمه، ثم انتهى به الأمر إلى اغتيال الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد خطط للجريمة أثناء أدائه فريضة الحج.
وكان الحجاج بن يوسف الثقفي معلما للقرآن، ثم ارتبط اسمه بأشد مراحل القمع والبطش والمذابح في التاريخ الإسلامي.
كما أن شمر بن ذي الجوشن، قاتل الحسين رضي الله عنه وقاطع رأسه في موقعة كربلاء، كان حافظا للقرآن الكريم معروفا بارتياد مجالس التلاوة.
إيراد هذه الوقائع ليس تشهيرا بحفظة القرآن، بل تقريرا لحقيقة منهجية لا لبس فيها وهي أن تعليم القرآن أو حفظه لا يمنح حصانة أخلاقية، ولا يُكسب عصمة سلوكية.
فالقرآن الكريم لا يحمي من يخالفه، ولا يعفيه من المساءلة.
ومحاولة تحويل المكانة العلمية إلى درع اجتماعي أو سياسي، أو إلى حصانة جنائية، انحراف خطير يُفرغ القداسة من معناها ويستبدلها بامتياز زائف.
فلا حمل المصحف صك براءة، ولا كثرة التلاوة شهادة استقامة.
وإنما المعيار الحاكم هو السلوك العملي والالتزام بالقيم والضوابط التي يعلنها ويفرضها النص القرآني نفسه: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك