ثمة رغبة في الكتابة والسرد لدى سوريين انخرطوا في الأحداث عقب 2011، وتقديم شهادتهم على مرحلة حرجة بوصفها فعل توثيق ورد اعتبار للذاكرة الفردية في مواجهة النسيان القسري.
ومنهم حسام تركماني الذي يصور كيفية عسكرة الحياة اليومية، وتحويل المؤسسات المدنية إلى أدوات ضبط وقمع، وعن الثمن النفسي الذي يدفعه من يجد نفسه شاهداً في قلب آلة لا ترحم، ويمكن إضافته إلى مكتبة آخذة بالاتساع، قوامها تدوين التاريخ الشعبي للوقائع السورية.
في كتابه" مشاهدات متسلل: شهادة من مستشفى المجتهد في زمن الثورة (2011–2015)" (جسور للترجمة، 2026)، يروي المؤلّف التغيرات التي حلّت بواحدة من أكثر المؤسسات حساسية في دمشق خلال سنوات الثورة السورية، بوصفه فضاء تحول تدريجياً من مكان للعلاج إلى امتداد للمنظومة الأمنية.
عاش تركماني الذي كان طالباً يدرس في معهد تصوير الأشعة بدمشق آنذاك، تحولات المكان وتحولات الذات في آن.
فمن جنوب دمشق، من بلدة يلدا، شهد مع عائلته اجتياح قوات النظام للمنطقة سنة 2011، قبل أن يتنقلوا بين بلدة سبينة ثم حي الميدان، في مسار نزوح داخلي يعكس مبكراً تصدع حياة السوريين غير المنخرطين في الثورة.
أُرسل الكاتب إلى مستشفى المجتهد لإنجاز الجزء العملي من دراسته.
هناك، لا يكتفي الكاتب بسرد الوقائع، بل يرصد المناخ النفسي العام، بدءاً من إجبار الموظفين على المشاركة في مسيرات التأييد، وصولاً إلى تشكل نمط من" الوطنية الساذجة" لدى بعض الموظفين.
حيث تمر في هذا السياق شخصية المدير الذي يصف نفسه بالوطني، لكن هذا المفهوم الفضفاض يتحول إلى دفاع أعمى عن السلطة، وهو ما يفسر انخراط فئات مجتمعية في مهادنة نظام بشار الأسد.
في شهادته، يكشف تركماني عن وجود موظفين مقربين من الأجهزة الأمنية يعملون في خدمتها، وعن إبلاغهم إياها عن أنشطة زملائهم، وعن كيفية استقبال عناصر من الجيش والأمن داخل المستشفى، وكذلك عن التعامل مع المعتقلين الذين كانوا يصنفون تحت مسمى" مجهول".
يوثق الكاتب آليات الإذلال: نقل المعتقلين المرضى، تصويرهم، ثم إعادتهم بطريقة تنزع عنهم أي بعد إنساني، في مشاهد تترك أثراً نفسياً عميقاً لدى من يشهدها.
كما يتوقف عند سيكولوجية الشبيحة (أعوان النظام السابق) داخل المستشفى، وعن همجيتهم في التعامل مع الممرضين والأطباء، فضلاً عن قسوتهم تجاه المرضى والمعتقلين، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إصابة الكاتب بما يشبه العطب النفسي، نتيجة التراكم اليومي للعنف الصامت والمعلن.
تحول المستشفى من مكان للعلاج إلى امتداد للمنظومة الأمنية.
الكتاب لا يكتفي بالحديث عن المكان، بل يرسم مسار تحول سياسي وشخصي واضح: من شاب دمشقي مؤيد للنظام، إلى مسالم مع السلطة، ثم إلى منطقة رمادية يغلب عليها الصمت، وصولاً إلى موقف معارض تشكل تحت ضغط التجربة لا تحت ضغط الشعارات.
لاحقاً، ومع اقتراب استدعائه للخدمة العسكرية التي رفض أن يؤديها، يحاول الكاتب المراوغة عبر التأجيل الدراسي، قبل أن ينجح في مغادرة البلاد إلى تركيا.
وهنا يوثق تفاصيل حياة المتخفي المرعوب من الحواجز التي تقطع أوصال المدينة، خوفاً من زجه في أتون المعركة دفاعاً عن النظام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك