تحلّى الفينيقي بالذكاء الفطري، وكانت عنده الجرأة على التجربة بلا خوف أو وجل، فكان أبو الحضارة، وابنها، ومعلّمها.
اخترع الحرف الذي تعلّمناه نحن أيضًا بعد أكثر من أربعة آلاف سنة، بعدما كان البشر يتخاطبون بالصور وبالمسامير، فيما عُرف آنذاك باللغة المسمارية.
عندما كانت الأرض يابسة تحيط بها البحار والمحيطات (ولا تزال)، كان العالم يخشاها ولا يتجرّأ على خوض غمارها.
أمّا الفينيقي فكان السبّاق في صناعة السفن، لشقّ عبابها ونقل تجارته، وحِرَفه، وحِرفته، وحضارته إلى العالم.
ومن صدفة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في صور، أوجد اللون الأرجواني، لون الملوك.
كما صنع الزجاج، وتشير الروايات إلى أنّ التجّار الفينيقيين على الشاطئ السوري (قرب عكّا) أشعلوا نارًا لصهر النطرون، فانصهر مع رمال الشاطئ، فنتج الزجاج لأول مرة.
تذكر المراجع أنّ حضارات بلاد ما بين النهرين ومصر، بالصدفة، صنعت الزجاج حوالي عام 3500–5000 قبل الميلاد.
يقول المؤرّخ بلينيوس الأكبر إنّ التجّار الفينيقيين هم أوّل من عرف، بالصدفة، تقنيات صنع الزجاج عند نهر بيلوس.
وكتب جورجيوس أغريكولا قصة شائعة حول استكشاف الزجاج، فقال:
من المعروف أنّ سفينة تجارية (طبعا فنيقية )محمّلة بالنتر رست عند نهر بيلوس، وبينما كان التجّار يُعدّون طعامهم على الشاطئ، لم يجدوا حجارة يضعوا عليها أوانيهم، فاستخدموا كتلًا من النتر من السفينة، والتي انصهرت وامتزجت برمال الشاطئ، فتدفّقت تيّارات من سائل شفاف جديد، وكان ذلك أصل الزجاج.
(العصر البرونزي بين العامين 3300 و1200 ق.
م)، لكن المصريين في هذا العصر صنعوا الزجاج أيضًا.
غير أنّ سرعة انتشاره ومعرفته في البلدان التي خاضها الفينيقيون عبر سفنهم البحرية كانت الأسرع.
(ويكيبيديا).
جاحدٌ من يقول ويشيع إنّ الفينيقيين لم يعرفوا الفلسفة عكس الإغريق؛ إنما، وعلى الرغم من شهرتهم بالتجارة والحرفية، تشير المعطيات التاريخية إلى أنّ الفينيقيين قدّموا مساهمات فكرية ولاهوتية عميقة شكّلت جزءًا من تراثهم الحضاري.
عُرف عنهم جوانب فلسفية ولاهوتية، ركّزت أساسًا على نشأة الكون، وتفسير الظواهر الطبيعية، والعدالة الاجتماعية، بدل الفلسفة النظرية المجرّدة.
وارتبطت معارفهم بالخرافات والديانات القديمة، وتطوير اللاهوت كعلم.
اعتقد الفينيقيون أنّ الكون نشأ من مادة أولية عديمة الشكل (شبّهوها بالماء أو الفوضى)، متّحدة مع الخالق، الذي فُسّر على أنّه “حكمة العالم وكلمته” (اللوغوس) ونوره.
طوّروا نظريات لاهوتية معقّدة، وركّزوا على مفاهيم الخصب وقوى الطبيعة، ودور الآلهة (مثل إيل، أدون، ملكارت).
برزت لديهم أفكار أولية حول “العدالة الاجتماعية” كوصية إلهية.
رغم وجود مؤشرات على أدب فينيقي وفلسفة عملية، إلا أنّ معظم كتاباتهم فُقدت أو دُمّرت عبر التاريخ، ونُقلت بعض معارفهم عبر الكتابة باللغة اليونانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك