سكاي نيوز عربية - إغلاق مطار بغداد الدولي مؤقتا الشرق للأخبار - إيران في خطاب حالة الاتحاد ترمب يحذر من صواريخ قد تصل أميركا روسيا اليوم - الرئيس "السري" للولايات المتحدة حال وقوع كارثة تقضي على رموز الدولة روسيا اليوم - ما تأثير الماء على عمل الدماغ؟ قناه الحدث - مجلس الأمن يفرض عقوبات على 4 من قادة الدعم السريع سكاي نيوز عربية - على رصيف الانتظار.. طوابير الإفطار تروي وجع العودة للخرطوم قناة الغد - اليابان تؤكد احتجاز أحد رعاياها في إيران وكالة شينخوا الصينية - هاينان الصينية تستقبل أكثر من 12.32 مليون زيارة سياحية خلال عيد الربيع العربية نت - مجلس الأمن يفرض عقوبات على 4 من قادة الدعم السريع CNN بالعربية - منها حرب بين مصر وإثيوبيا.. ما مدى صحة ادعاء ترامب بإنهاء 8 حروب خلال خطاب حالة الاتحاد؟
عامة

المرشد السياحي الى حي "الموسكي" في القاهرة

البلاد
البلاد منذ 1 أسبوع
2

مرحبًا بكم في حي الموسكي، قلب القاهرة التاريخية النابض بالحياة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة مع الأسواق الصاخبة، وتتقاطع فيها التجارة بالدين، والسياسة بالثقافة، والتقاليد الشعبية بالتحولات العمرانية الكبر...

ملخص مرصد
حي الموسكي في القاهرة هو قلب تاريخي نابض يجمع بين التجارة والدين والثقافة، ويعود اسمه إلى الأمير الأيوبي عز الدين موسك. يحمل الحي قصصًا من العصور المملوكية والعثمانية والحديثة، ويظل شاهدًا حيًا على التحولات العمرانية والدينية والثقافية في مصر.
  • يرجع اسم الموسكي إلى الأمير الأيوبي عز الدين موسك، أحد أقارب صلاح الدين الأيوبي.
  • شهد الحي تحولات عمرانية كبرى منذ العصر الأيوبي مرورًا بالعصور المملوكية والعثمانية.
  • يضم الحي مساجد وزوايا وديرًا فرنسيسكانيًا ومقاهي ثقافية تعكس تنوعه الديني والفكري.
من: الأمير الأيوبي عز الدين موسك أين: حي الموسكي في القاهرة متى: منذ العصر الأيوبي (القرن الثاني عشر) حتى العصر الحديث

مرحبًا بكم في حي الموسكي، قلب القاهرة التاريخية النابض بالحياة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة مع الأسواق الصاخبة، وتتقاطع فيها التجارة بالدين، والسياسة بالثقافة، والتقاليد الشعبية بالتحولات العمرانية الكبرى.

لا يمكن لأي زائر للقاهرة أن يغادرها دون أن يمشي في شوارع الموسكي، الذي يحمل في كل حجر فيه قصة من التاريخ، بدءًا من نشأته في العصر الأيوبي، مرورًا بالعصور المملوكية والعثمانية، وصولًا إلى القاهرة الحديثة.

في هذا الدليل، سنأخذكم في جولة بين تاريخ الاسم، حدود المكان، ومسارات التحول العمراني والديني والثقافي، لنكشف لكم كيف أصبح الموسكي نموذجًا حيًا لتداخل الذاكرة والتجارة والحياة اليومية.

يرجع اسم «الموسكي» إلى الأمير عزّ الدين موسك (أو مؤسّك)، أحد أمراء الدولة الأيوبية وأقارب السلطان صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي.

وقد أقام الأمير في هذه المنطقة وأنشأ بها قنطرة عُرفت باسمه باسم «قنطرة الموسكي»، كما شيّد قصرًا ومنشآت سكنية، فارتبط المكان باسمه تخليدًا لوجوده فيه.

وتذكر المصادر التاريخية أن الأمير موسك عُرف بحبّه للعلم والعلماء، وكان حريصًا على تشجيع حلقات العلم وحفظ القرآن.

وعلى الرغم من وفاته في دمشق سنة 584هـ / 1188م، ظل اسمه مرتبطًا بالمنطقة التي أسهم في عمرانها.

وكون الأمير عزّ الدين موسك قريبًا لصلاح الدين — إذ تذكر بعض الروايات أنه ابن خالته — قد يعني أنه كان مرافقًا له في حملته على مصر، ويُرجَّح تاريخيًا أنه كان ضمن الدائرة العسكرية أو الإدارية المرتبطة بالأسرة الأيوبية.

فالمصادر لا تذكره شخصيةً قياديةً كبرى في حملة دخول مصر، لكنه يظهر كأمير أيوبي تولّى مناصب لاحقًا، مما يدل على أنه كان ضمن طبقة الأمراء المقربين من صلاح الدين بعد استقرار الحكم الأيوبي، ومن رجال الدولة في تلك المرحلة.

دخل صلاح الدين مصر سنة 564هـ / 1169م في سياق الصراع بين الفاطميين والصليبيين، وذلك مع أسد الدين شيركوه بأمر من نور الدين محمود زنكي، وكان الهدف منع الصليبيين من السيطرة على مصر.

وبعد وفاة شيركوه في العام نفسه، عُيّن صلاح الدين وزيرًا للخليفة الفاطمي العاضد، ويُعدّ عام 1169م تاريخ استقراره الفعلي في مصر وزيرًا، وفي هذه المرحلة تعزّز موقع الأمير عزّ الدين موسك ضمن الإطار الأيوبي.

وفي الفترة من 1169م إلى 1171م شهدت مصر ما يمكن وصفه بمرحلة «حكم اسمي مشترك» بين صلاح الدين وأمرائه من جهة، والخليفة الفاطمي وأمرائه من جهة أخرى.

فقد ظل الخليفة العاضد موجودًا اسميًا، بينما كان صلاح الدين الحاكم الفعلي بصفته وزيرًا.

وبدأ تدريجيًا بإحلال الخطبة باسم الخليفة العباسي بدل الفاطمي، وألغى المظاهر الفاطمية الرسمية، وعيّن قضاة من أهل السنة إلى جانب القضاة الفاطميين، وكانت هذه مرحلة انتقال سياسي وديني محسوبة.

وفي سنة 567هـ / 1171م أُسقطت الدولة الفاطمية رسميًا دون مواجهة عسكرية مباشرة؛ فتوقفت الخطبة باسم الخليفة الفاطمي، وأُعلنت تبعية مصر للخلافة العباسية السنية.

وتوفي الخليفة العاضد في العام نفسه، لتنتهي بذلك الدولة الفاطمية بعد نحو مئتي عام من الحكم (969–1171م).

أما سنة 1174م، فقد شهدت وفاة نور الدين محمود، وبعدها استقل صلاح الدين فعليًا بحكم مصر، ثم وسّع سلطته إلى بلاد الشام، وحقق سنة 1187م انتصاره الكبير في معركة حطين واستعاد القدس.

وإذا صحّ أن عزّ الدين موسك توفي سنة 584هـ / 1188م، كما تذكر بعض الروايات، فهذا يعني أنه عاش معظم فترة حكم صلاح الدين، وكان جزءًا من النظام الأيوبي بعد تثبيت أركانه في مصر.

دعونا نعود ونتساءل: هل بُني الموسكي مكان حيٍّ آخر أم على أرض غير عامرة؟لم يُنشئ الأمير عزّ الدين الموسكي حارته «الموسكي» على أرض خالية تمامًا، كما أنها لم تكن حيًا متكاملًا قبل العصر الأيوبي، بل كانت جزءًا من الامتداد العمراني خارج النواة الفاطمية القديمة.

ولتوضيح ذلك، ينبغي التذكير بأن: شُيِّدت القاهرة الفاطمية سنة 358هـ / 969م على يد القائد جوهر الصقلي بأمر من الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله، وذلك بعد دخول الفاطميين مصر وإنهاء الحكم الإخشيدي.

وقد أُنشئت القاهرة في الأصل مدينةً ملكيةً إدارية لتكون مقرًّا للخليفة وجنده، وليست مدينةً عامةً للسكان، ولذلك أُحيطت منذ تأسيسها بسور دفاعي يحدد نطاقها العمراني.

كانت هذه المدينة المسوّرة تضم القصور الفاطمية الكبرى والجامع الأزهر وبعض منشآت الدولة، بينما ظلّت مدينة الفسطاط — الأقدم منها — مركزًا سكانيًا وتجاريًا رئيسيًا.

ومع مرور الوقت توسّع العمران خارج الأسوار، خاصة في العصور الأيوبية والمملوكية.

أما المنطقة التي عُرفت لاحقًا باسم «الموسكي»، فكانت تقع خارج نطاق الأسوار الفاطمية الأصلية في القرن العاشر الميلادي، ضمن الامتدادات الزراعية والبساتين والقنوات المائية المحيطة بالقاهرة.

ولهذا لم تكن جزءًا من النواة الفاطمية الأولى، بل دخلت في المجال العمراني تدريجيًا مع التوسع اللاحق للمدينة بعد زوال الطابع العسكري المغلق للقاهرة الفاطمية.

عليه، كانت القاهرة الفاطمية في القرن العاشر الميلادي مدينةً مسوّرة، وخارج أسوارها وُجدت بساتين وأراضٍ زراعية ومنشآت متفرقة، إضافة إلى طرق وقناطر لعبور المياه.

وعليه، فإن المنطقة التي عُرفت لاحقًا باسم «الموسكي» كانت في الأصل منطقةً انتقالية بين العمران والزراعة، ولم تكن حيًا سكنيًا كثيفًا مثل شارع المعز أو الجمالية.

وعندما قدم الأمير عزّ الدين موسك في العصر الأيوبي، لم يُنشئ حيًا فوق حيٍّ قائم، بل أقام منشآت — من قنطرة وقصر ومبانٍ — في منطقة كانت عامرة جزئيًا لكنها غير مكتظة، فبدأت تكتسب طابعًا عمرانيًا أوضح.

ومن ثمّ نشأ الموسكي في نطاق كان عامرًا جزئيًا (زراعيًا ومتصلاً بطريق مائي)، لا في مدينة مكتملة البناء.

وللتنويه، فإن كلمة «قنطرة» في العمارة الإسلامية تعني جسرًا يُقام فوق مجرى مائي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن القنطرة لم تكن قائمة على نهر النيل مباشرة، بل يُرجَّح أنها كانت فوق خليج القاهرة (المعروف بخليج أمير المؤمنين أو الخليج المصري)، وهو قناة مائية متفرعة من النيل كانت تمر داخل القاهرة وتُستخدم في نقل المياه والري والملاحة الصغيرة وربط المناطق الداخلية بالنيل.

وكان الخليج يمر بالقرب من الأزبكية والعتبة، أي في النطاق الجغرافي ذاته الذي يقع فيه الموسكي اليوم.

وبذلك، كانت القنطرة قائمة فوق قناة مائية صناعية متفرعة من النيل، لا فوق نبع طبيعي؛ إذ لا تحتوي القاهرة على ينابيع طبيعية، وكان مصدر المياه الأساسي فيها هو النيل وفروعه وقنواته.

وقبل التحول العمراني الكبير، كانت منطقة الموسكي تضم بساتين وأراضٍ زراعية وحدائق ومساحات مفتوحة حول الأزبكية.

وكانت بحيرة الأزبكية منخفضًا مائيًا متصلًا بالخليج، تحيط بها بساتين شهيرة في العصرين المملوكي والعثماني.

ومن هنا يمكن القول إن الموسكي نشأ في نطاق يضم بساتين وضفاف قناة مائية وطرق عبور ومنشآت متفرقة، ثم تحولت هذه الأراضي الزراعية مع مرور الزمن إلى عمران وسكن وأسواق.

كما أن وجود القنطرة دليل على أن المكان كان نقطة عبور فوق مجرى مائي نشط، ما يدل على أهميته الاستراتيجية في ذلك الوقت.

استمر ما عرف لاحقًا باسم حي الموسكي، الذي شُيّد تقريبًا في عام 1174م، في التطور ضمن التخطيط الأيوبي، ثم تطور تدريجيًا عبر العصور المملوكية والعثمانية.

ولكن حدث تغيير جذري في حي الموسكي عام 1798م، عندما وصل الفرنسيون إلى مصر وبقوا فيها نحو ثلاث سنوات (1798–1801).

الحملة لم تُنشئ “قاهرة جديدة كاملة”، لكنها قامت بعدد من الإجراءات العمرانية الهامة: فتحت شوارع مستقيمة.

أزالت مبانٍ مملوكية وأيوبية.

هدمت أجزاء من الأحياء القديمة خارج الأسوار.

أنشأت محاور حركة عسكرية واضحة.

كان الهدف الأساسي من ذلك: السيطرة العسكرية، تسهيل تحرك الجنود، ومنع التمردات داخل الأزقة الضيقة.

وقد رأى الفرنسيون أن القاهرة مدينة ذات تخطيط “متعرّج وغير منظم”، فحاولوا إدخال مفهوم الشارع المستقيم الواسع.

قبل الحملة، كانت منطقة الموسكي تحتوي على بقايا منشآت قديمة، منها قنطرة الموسكي فوق الخليج المصري، وكان نسيجها العمراني يتكون من أزقة متعرجة محاطة ببساتين الأزبكية.

أثناء الحملة (1798–1801)، شهد حي الموسكي أهم التغييرات التالية: هدم القنطرة القديمة وبعض المباني المجاورة لها.

فتح طريق مستقيم يمتد من موقع القنطرة إلى ميدان الأزبكية.

إزالة بعض بيوت الأمراء المملوكيين.

وجاءت هذه الإجراءات لإنشاء محور عسكري واضح يربط القاهرة الداخلية بمنطقة الأزبكية، التي اتخذها الفرنسيون مقرًا لهم، وللسيطرة على الأسواق التي كانت مصدر تجمعات شعبية.

هذا الطريق المستقيم أصبح لاحقًا شارع الموسكي الحديث، ويُشير ذلك إلى أن التغيير الفعلي لمعالم حي الموسكي بدأ تقريبًا بين عامي 1798 و1800م.

ما حدث بعد خروج الفرنسيين والتحول العمراني للحي.

لم يقتصر التحول العمراني لحي الموسكي على فترة الحملة الفرنسية، بل استُكمل في عهد محمد علي باشا (من 1805م) الذي وسّع الشوارع وأعاد تنظيم المنطقة إداريًا، وعزز المحور التجاري فيها، ما مهد لتطورها لاحقًا.

ثم جاء عهد الخديوي إسماعيل (1863–1879م)، حيث شهد الموسكي تحولًا جذريًا: تم ردم الخليج المصري نهائيًا وتجفيف بحيرة الأزبكية، وإنشاء مبانٍ أوروبية الطراز، وتوسعة المحاور التجارية، مع إدخال الطراز الباريسي في التخطيط العمراني.

في هذه المرحلة فقد حي الموسكي طابعه المائي تقريبًا، واختفت معظم بقاياه العمرانية القديمة، بما في ذلك كثير من زواياه الصغيرة وأزقته الضيقة، وأصبح حيًا تجاريًا كثيفًا ومزدحمًا بالنشاطات الاقتصادية.

يمكن القول إن التحول من منطقة زراعية إلى قلب تجاري حدث على مرحلتين رئيسيتين: بعد الحملة الفرنسية (1798–1801): هُدمت المباني القديمة، وفتح طريق مستقيم أصبح لاحقًا شارع الموسكي، وبدأ التنظيم الحديث للشوارع.

ثم في عصر محمد علي والخديوي إسماعيل: رُدمت أجزاء من الخليج، وجُفّت بحيرة الأزبكية، وتحولت البساتين إلى مبانٍ، وظهرت الأنشطة التجارية الكبرى، ليصبح الحي قلبًا تجاريًا نابضًا، ويختفي العنصر المائي تمامًا مع نهاية القرن التاسع عشر.

حدود حي الموسكي وتخومه العمرانية.

يقع حي الموسكي في قلب القاهرة التاريخية، وتتشابك حدوده مع عدد من المناطق ذات الثقل الحضاري والديني.

ورغم أن حدوده الإدارية المعاصرة قد تختلف، فإن حدوده التاريخية والثقافية يمكن تحديدها تقريبيًا على النحو التالي:

من الشمال: يمتد إلى شارع العتبة ومحطة مترو العتبة، وصولًا إلى مشارف سوق العتبة وشبكاتها التجارية.

من الجنوب: يجاور شارع باب الشعرية ويتصل بأزقة المنطقة المؤدية إلى نهاية شارع المعز لدين الله الفاطمي.

من الشرق: يتاخم شارع المعز التاريخي ومحيط الجامع الأزهر.

من الغرب: يمتد باتجاه سوق باب اللوق وشارع القصر العيني بالقرب من مستشفى الأزبكية.

يمثل شارع الموسكي نفسه المحور الرئيسي للحي، ممتدًا من زاوية الموسكي شرقًا حتى سوق العتبة غربًا، وهو العمود الفقري الذي تشكلت حوله الحياة التجارية والاجتماعية.

شارع الموسكي… قلب الحركة الاقتصادية.

يُعد شارع الموسكي الشريان الحيوي للحي وأحد أشهر الشوارع التجارية في القاهرة.

نشأ بصورته الحديثة أثناء الحملة الفرنسية، ثم تطور في عصر محمد علي والخديوي إسماعيل.

يتميز الشارع بتنوع أنشطته التجارية، إذ تُباع فيه الأقمشة، والملابس، والأدوات المنزلية، والإكسسوارات، والمنتجات الشعبية.

ومع الزمن أصبح مقصِدًا للمتسوقين من مختلف طبقات المجتمع، ومركزًا للتجارة بالجملة، مما عزز مكانته الاقتصادية.

دير الفرنسيسكان في الموسكي – بعد ديني وثقافي عابر للقرون.

بعد قدوم الراهب القديس فرنسيس الأسيزي (1181–1226م)، الراهب الإيطالي الكاثوليكي الشهير مؤسس الرهبنة الفرنسيسكانية، الذي عاش حياة فقر وتعبد متجولًا واشتهر بمحبته للمخلوقات، إلى مصر، التقى بـ السلطان الملك الكامل الأيوبي (محمد بن العادل)، رابع سلاطين الدولة الأيوبية في مصر، عام 1219م خلال فترة الحروب الصليبية، وتحديدًا في مدينة دمياط.

زار فرنسيس الأسيزي السلطان في خيمته، حيث استقبله السلطان الكامل بكرم وإعجاب بشخصيته وبساطته وشجاعته، رغم أجواء الحرب المتوترة.

هذا اللقاء وأجواؤه العفوية أدى إلى غرس بذور الإرث الفرنسيسكاني في مصر.

وقد تبلور هذا الحدث الى إرث والذي ساهم في تشييد دير الفرنسيسكان، الواقع في 12 شارع البندقية بالموسكي، والذي يُعدّ من أبرز المعالم الدينية والثقافية في قلب القاهرة التاريخية.

يعود الوجود الفرنسيسكاني الرسمي في الحي إلى عام 1632م، حين حصلت حراسة الأراضي المقدسة (Custodia di Terra Santa) على مقر دائم للرهبان في القاهرة.

وقد خصص هذا المسكن الأولي لخدمة المسيحيين الوافدين والأوروبيين المقيمين في العاصمة المصرية، وكان يقتصر في البداية على منزل صغير وبسيط.

مع مرور الوقت، تطور الدير ليصبح مركزًا رعويًا مهمًا للرعية اللاتينية في القاهرة، حيث قدم الرهبان خدمات دينية وروحية للوافدين الأوروبيين، خاصة الإيطاليين والمالطيين والفرنسيين، وشاركوا في إدارة التعليم المسيحي والرعاية الصحية، كما كانوا نقطة وصل بين القاهرة والأراضي المقدسة في فلسطين.

في أوائل القرن العشرين، ومع التغيّرات الاجتماعية والسياسية التي أعقبت ثورة 1952م وهجرة أعداد كبيرة من الأجانب، شهدت الرعية اللاتينية انخفاضًا ملحوظًا في عدد المصلين.

استجابة لهذا الواقع، تم إعادة توظيف الدير ليصبح مركزًا علميًا وبحثيًا، وتم تأسيس المركز الفرنسيسكاني للدراسات المسيحية الشرقية عام 1954م.

ويضم المركز مكتبة غنية جدًا تحتوي على عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات بمختلف اللغات، بما في ذلك العربية والسريانية والقبطية والأرمنية والتركية والفارسية، ما جعله أحد أهم مراكز البحث والحوار الديني في القاهرة.

إضافة إلى بعده العلمي، يواصل الدير أداء دوره الديني والرعوي من خلال الرعية اللاتينية، ويشارك في تنظيم فعاليات ثقافية ومحاضرات وورش عمل، كما يقدم خدمات تعليمية وإنسانية للمجتمع المحلي في الموسكي.

وهكذا يجمع الدير بين البعد الروحي والثقافي والعلمي والإنساني، ليظل شاهدًا حيًا على التعددية الدينية في قلب القاهرة التاريخية.

المساجد والزوايا بوصفها مزارات وظيفية.

رغم غياب الأضرحة الصوفية الكبرى في حي الموسكي، لعبت بعض المساجد دورًا روحيًا واجتماعيًا محوريًا في حياة السكان، من بينها: الجامع الأحمر، مسجد العزباني، مسجد الرويعي، جامع البكري.

لم تقتصر وظيفة هذه المساجد على إقامة الصلوات، بل كانت فضاءات متكاملة للأنشطة الدينية والثقافية، حيث احتضنت حلقات الذكر، الدروس العلمية، الاعتكاف، واحتفالات محلية بسيطة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبارها نوعًا من المزارات الشعبية الدينية، إذ كانت تؤدي دورًا روحيًا واجتماعيًا مشابهًا للمزارات التقليدية، لكنها لم ترتبط بمقام أو ضريح شهير، ما جعلها محطات محلية تعكس الروح الدينية اليومية للمجتمع في الموسكي.

من أبرز معالم حي الموسكي المرتبطة بالذاكرة الوطنية، مقهى ماتاتيا الواقع خلف الأوبرا الخديوية.

لم يكن المقهى ضريحًا دينيًا، لكنه شكّل مزارًا سياسيًا وفكريًا في آنٍ واحد، حيث كان ملتقىً للعلماء والمفكرين وروّاد الإصلاح، من بينهم جمال الدين الأفغاني وشخصيات بارزة في حركة النهضة الفكرية في أواخر القرن التاسع عشر.

ومن خلال هذا الدور، أنتج حي الموسكي نوعًا من “المزارات المدنية” التي تعكس الذاكرة الوطنية والفكرية للمجتمع، بعيدًا عن القداسة الدينية التقليدية، لتصبح المقاهي في الحي فضاءات للتفاعل الاجتماعي والحوار الثقافي والسياسي.

لم يكن حي الموسكي يومًا مجرد حي سكني أو تجاري، بل كان مساحة مدنية وروحية متشابكة، تتشكل قدسيته الشعبية من المساجد والزوايا الصغيرة، والدير الفرنسيسكاني العريق، والمقاهي الثقافية التي صارت مزارًا فكريًا.

ومع التحولات العمرانية الكبرى في القرن التاسع عشر، اختفت كثير من المزارات الصغيرة، وحلّ محلها تخطيط حضري حديث، دون أن تفقد الروح الشعبية للحي.

اليوم، يظل الموسكي شاهدًا حيًا على التاريخ المتراكم: من قنطرة أيوبيّة إلى شارع تجاري مزدحم، ومن دير فرنسيسكاني إلى أسواق نابضة بالحياة، ليصبح حيًّا تتلاقى فيه الذاكرة بالتجارة، والتاريخ بالحاضر، ويظل واحدًا من أكثر أحياء القاهرة تعبيرًا عن تنوعها وعمقها الحضاري، وما زال يقدم لزواره تجربة فريدة تجمع بين الماضي والحاضر، بين الروح والعمران، بين التجارة والثقافة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك