انتشرت وحدات من الجيش السوري أمس الخميس في قاعدة التنف بريف حمص، بعد أن انسحبت منها القوات الأميركية التي تعمل على تقليص وجودها العسكري في سورية بشكل تدريجي منظم، وربما إنهائه بشكل كامل، ونقل المسؤولية الأمنية في محاربة تنظيم داعش إلى قوات الحكومة السورية.
وقالت وزارة الدفاع السورية، أمس، في بيان، إن وحدات من الجيش استلمت قاعدة التنف العسكرية بالتنسيق مع الجانب الأميركي، مشيرة إلى أنها" أمّنت القاعدة ومحيطها، وبدأت الانتشار على الحدود السورية العراقية الأردنية في بادية التنف".
وأضافت: " ستبدأ قوات حرس الحدود في الوزارة استلام مهماتها والانتشار في المنطقة خلال الأيام المقبلة".
وأجلت الولايات المتحدة، أول من أمس الأربعاء، قواتها المقدرة بنحو 200 جندي من قاعدة التنف الواقعة في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، إلى قاعدة البرج 22 داخل الأراضي الأردنية، الواقعة على بعد 22 كيلومتراً من قاعدة التنف التي أنشأها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في عام 2014.
وتقع القاعدة غرب الحدود العراقية بمسافة 22 كيلومتراً، وكانت تعدّ من أهم القواعد العسكرية للتحالف الدولي في سورية، واستخدمتها قواته على مدى سنوات لرصد الأنشطة العسكرية للمجموعات المدعومة من إيران و" داعش"، ولا سيما في البادية.
وجاء الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف، في سياق تقليص مهمات التحالف الدولي في سورية إلى الحدود الدنيا، وسبقه انسحاب من مواقع عدة في شمال شرق سورية، ونقل المسؤولية الأمنية إلى الحكومة السورية التي انخرطت في التحالف لمحاربة التنظيم.
أجلت الولايات المتحدة حوالي 200 جندي من التنف إلى قاعدة البرج 22 بالأردن.
ويضع الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف الجيش السوري أمام تحديات، أبرزها ملاحقة ما بقي من خلايا لـ" داعش"، وضبط الأمن والاستقرار في البادية السورية مترامية الأطراف.
ويُعتقد أن هذه الخلايا تتخذ من تضاريس البادية السورية ملاذات ومخابئ تنطلق منها لتنفيذ عمليات إرهابية.
وقُتل منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2025، جنديان أميركيان ومترجم مدني أميركي وأصيب آخرون بجروح، إثر هجوم في تدمر وسط البادية، يُعتقد أن" داعش" نفذه.
ويُعَدّ القطاع الجنوبي من البادية السورية أيضاً مسرحاً لتهريب المخدرات إلى الجانب الأردني منذ عدة سنوات، حيث يستفيد المهربون من الفراغ الأمني الموجود.
وتعلن وزارة الداخلية السورية بين الحين والآخر إجهاض محاولات تهريب مخدرات، آخرها كان نهاية العام الماضي حيث قالت إن فرع مكافحة المخدرات في البادية ألقى القبض على شخص بعد ثبوت تورطه في تهريب المواد المخدرة إلى الأردن بالبالونات.
وبعد تراجع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت الذراع العسكرية للتحالف على الأرض، أمام الجيش السوري، مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، بدأت الولايات المتحدة تنفيذ خطة انسحاب تدريجي منظّم من سورية، فسحبت قبل أسبوع قواتها من قاعدة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي في شمال شرق سورية، باتجاه أربيل في إقليم كردستان العراق.
وكانت القوات الأميركية قد انسحبت العام الفائت من قاعدتي العمر وكونيكو، في ريف دير الزور الشرقي.
وأوضح الخبير الأمني والعسكري ضياء قدور في حديث مع" العربي الجديد"، أن التحالف الدولي انسحب منذ العام الماضي، من ست قواعد رئيسية له في سورية، مرجحاً إخلاء قواعد إضافية خلال الأسابيع المقبلة.
وأشار قدور إلى نقل أكثر من 4500 من سجناء" داعش" إلى العراق، معرباً عن قناعته بأن الانسحاب الأميركي من قاعدة التنف" يعكس ثقة بالحكومة السورية المركزية لمواجهة التنظيمات الإرهابية".
وكان التحالف الدولي أقام منذ عام 2014 العديد من القواعد في شمال شرق سورية في سياق استراتيجية متكاملة لمحاربة" داعش"، تركزت في ريفي دير الزور والحسكة، ووصلت إلى ريف حلب الشمالي الشرقي في محيط منطقة عين العرب ذات الغالبية الكردية من السكّان.
وجلّ القواعد كانت في محيط حقول وآبار النفط والغاز في دير الزور والحسكة، ولعبت دوراً في محاربة" داعش" والقضاء عليه في منطقة شرق نهر الفرات مطلع عام 2019، وحالت دون تقدم قوات النظام السابق إلى شمال نهر الفرات.
وأبرز تلك القواعد، قاعدة خراب الجير، الواقعة بريف منطقة رميلان النفطية، وقاعدة حقل العمر في ريف دير الزور الشرقي، فضلاً عن قاعدة التنف.
رشيد حوراني: واشنطن تسعى لتفعيل دور دول الإقليم لمواجهة داعش.
وأشار الباحث العسكري رشيد حوراني في حديث مع" العربي الجديد"، إلى أن الجنود الأميركيين" ينسحبون من قاعدة رميلان بالتدريج على شكل مجموعات برفقة أسرى تنظيم داعش".
وبرأيه، فإن للولايات المتحدة وجوداً استخبارياً في سورية من خلال قواعدها في العراق والأردن بشكل خاص، مشيراً إلى أن واشنطن" تسعى لتفعيل دور دول الإقليم لمواجهة داعش"، مذكراً بأنه في مارس/ آذار الماضي أعلنت سورية والعراق والأردن ولبنان تشكيل غرفة عمليات لملاحقة التنظيم.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن قوات التحالف الدولي" بصدد إعادة تموضعها بشكل كامل في سورية"، وفق الباحث في مركز" جسور" للدراسات وائل علوان، الذي أعرب عن اعتقاده في حديث مع" العربي الجديد"، بأن التحالف يتجه إلى سحب معظم قواته بالتنسيق مع الحكومة السورية.
وأشار علوان إلى أن انسحاب" قسد" من ريف دير الزور الشهر الماضي، كشف أن التحالف الدولي لم يكن موجوداً في قاعدة حقل العمر، بل كانت هذه القوات تتعمد رفع العلم الأميركي على القاعدة للإيحاء بأن القوات الأميركية ما زالت موجودة.
وائل علوان: انسحاب قسد من ريف دير الزور كشف أن التحالف لم يكن موجوداً في قاعدة حقل العمر.
لكن المحلل العسكري العميد فايز الأسمر، من جهته، رأى في حديث مع" العربي الجديد"، أن" الجيش السوري والأجهزة الأمنية، تحتاج إلى المعلومات والتعاون الاستخباري والتنسيق مع واشنطن والتحالف الدولي وحتى دول الجوار في رصد وتتبع فلول وخلايا داعش".
وتابع: " أما التحركات والقدرة الميدانية على الأرض، فالجيش السوري والأجهزة الأمنية المختصة الداخلية، تملك القدرة والإمكانات القتالية على ملء الفراغ الأمني والعسكري بعيد انسحاب واشنطن من التنف والبادية السورية وفي شرق الفرات".
وأشار الأسمر إلى أن" جيش سورية الجديد" الذي يتمركز في البادية وأصبح ضمن ملاك وزارة الدفاع" يملك الخبرات في محاربة داعش، وملاحقة ما بقي له من خلايا".
وفي السياق، رأى رئيس تحرير موقع الشرق نيوز، فراس علاوي، المواكب لتطورات الشمال الشرقي من سورية، في حديث مع" العربي الجديد"، أن الجيش السوري" قادر على سدّ الفراغ الذي يخلّفه الانسحاب الأميركي من المنطقة"، مشيراً إلى أن البادية السورية مضبوطة من خلال القوات الحكومية، و" ربما الانسحاب الأميركي يستدعي زيادة عدد القوات هناك".
وبرأيه، فإن التنسيق ما بين الجانبين السوري والأميركي سيتواصل، باعتبار دمشق عضواً في التحالف الدولي ضد الإرهاب.
وقال: " قد نشهد تدريباً وتسليحاً أميركياً للقوات السورية في البادية لتعزيز قدرتها على مواجهة أي تهديد محتمل من داعش في المستقبل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك