بينما كان السوريون يكتبون فصلا جديدا في الحرب الافتراضية" الطائفية والعرقية" على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تزامنت مع العمليات العسكرية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، كان سوريون في اللاذقية من طوائف متعددة يشاركون (براق وأماني) الاحتفال بعقد قرانهما، اللافت في القصة أن براق من الطائفة السنيّة وأماني من الطائفة الإسماعيلية ومن محافظتين مختلفتين ثقافيا وجغرافيا، وهو ما يطرح سؤالا حول حقيقة جولات خطاب الكراهية والعنف اللفظي الذي يعيشه جزء من السوريين على مواقع التواصل، وإمكانية تحويل" الهوية المعاشة" بين السوريين في أرض الواقع إلى عقد اجتماعي جديد يربط البلاد وأهلها.
يقول أحمد فوز والد العريس لموقع تلفزيون سوريا، موضوع الزواج بين الطوائف حساس ومهم ويحتاج إلى شرح طويل ويضيف" لأننا نتحدث عن التعايش، وسط اختلاف العادات بين المحافظات؛ فالساحل غير الداخل والعادات في حلب غير الشام مثلا وغير الجزيرة السورية من ناحية اللباس وتقاليد المعيشة.
".
ويتابع حول أهمية المصاهرة لتحقيق التعايش بين السوريين على اختلاف طوائفهم ومناطقهم الجغرافية" لا يوجد سوى حل واحد لإزالة الاحتقان الطائفي والعرقي الموجود منذ زمن في سوريا إلا بالتزاوج، فهو يخفف الضغط والتشنج، لكن هناك أناس لا يتقبلون سوى أبناء مناطقهم وطوائفهم.
وأريد أن أشير هنا إلى أن المقولة التي كانت تدعي أن من يتزوج من طائفته يرتاح في حياته ظهر أنها غير صحيحة.
أنا أربط الحياة السعيدة والتعايش بالسلوك والتربية؛ ما تعلمه الإنسان في عائلته سينمو معه ومثله النزعة الطائفية، يجب أن تعامل مع الجميع كـ إنسان.
الترحيب واستقبال الآخر بغض النظر عن المذهب فالمعاملة الجيدة هي الأساس.
هي محصورة بالأخلاق والتربية والصدق وليس بالالتزام الديني.
أنا لست مع التشدد والتطرف في الدين الكل حر بمذهبه".
ويضيف قائلا: " لدينا هنا كنيسة ومسجد وغيره.
الإنسان له حق الاختيار ويملك العقل ليميز، ابني مراد تزوج من الطائفة الإسماعيلة فلم يكن لدي أي اعتراض باعتبارها إنسانة متفهمة وبسيطة بالأفكار مثلنا الرسول قال تنكح المرأة لثلاث لجمالها ومالها ونسبها إلخ.
برأيّ الأخلاق والسلوك الشخصي مهم، طلبناها من أهلها بكل ارتياح هم يعرفون أننا من الطائفة السنيّة، لكنهم لم يسألوا حتى.
المهم النية الصافية والحب.
وأجد ذلك حالة طبيعة جدا، لا يوجد فرق بين الطوائف كلنا عباد الله.
وأرد على من يسألي لماذا تزوج ابنك من غير طائفة فنحن لدينا بنات هنا.
أقول له هو أحبّ وانسجم وحصل وفاق مع زوجته".
ويتابع" لو علّم كل شخص أبناءه أن لا فرق بين علوي ومسيحي ودرزي وإسماعيلي وسني.
سينتج جيل ومجتمع متماسك كل له ثقافته وعاداته وهناك انضباط عند الجميع، فالحياة متنوعة أصلا".
يرى السيد أحمد فوز أن النظام المخلوع هو من رسخ الطائفية والتمييز بين السوريين، مشددا على أن الحضارة هي بالفكر، ويستطرد" جميع أهالي الضيعة احتفلوا معنا في العرس.
جميل هذا التفاعل الجميع على طاولة واحدة.
لكن يجب أن لا ننسى أن الدول تتصارع من خلفنا، يجب أن لا ننسى أيضا التوعية والمسامحة والحب".
تشكل العائلة السورية الممتدة جغرافيا وطائفيا وعرقيا عائقاً طبيعياً أمام مشاريع التقسيم الاجتماعي، وتبين كيف يمكن أن تذوب الخلافات السياسية أمام مائدة طعام واحدة أو مناسبة اجتماعية مشتركة.
" هدوء الضرورة" في الأحياء السكنية.
يعيش السوريون على مركب واحد، ومن دون اتفاق مسبق، يتصرفون بقاعدة، أن القوارب الصغيرة، التي لن تستطيع الصمود أمام الرياح العاتية، لهذا، وبعيداً عما تبثه السوشيال ميديا من أحقاد، فإن بناء واحداً على أطراف العاصمة دمشق، يختزل المجتمع السوري كله، لأنه يحتضن سكاناً من جميع المناطق.
بهذه الكلمات، يؤكد أبو أسامة، الذي وفد إلى دمشق من دير الزور منذ عدة سنوات، بهدف العمل.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: " أنا لا أعرف حقيقةً من أي مناطق جميع سكان البناية، لكن بحكم التعامل صرت أعرف الساكنين في الطابق الذي أسكنه، ففيه من عدة مناطق، ولم يكن ذلك ليؤثر شيئاً في تعاملنا أو سلوكنا، على العكس الجميع متفقون على أن هناك يداً خارجية تحاول بث الفرقة بين السوريين".
في بناية" الأمل" بحي الحمصي في جرمانا، حيث يسكن أبو أسامة القادم من دير الزور، هناك سكان من السويداء ومن سلمية ومن الشام ومناطق متفرقة من الجزيرة السورية، حيث تجري الحياة بشكل مختلف عما يسوقه" الذباب الإلكتروني"، بل إن السكان أسسوا لجنة للعناية بالبناية وغالباً ما يتطوعون لأعمال الصيانة ويقدمون التبرعات عند أي طارئ.
الناس هنا، يتبادلون التهاني في المناسبات، ويزورون بعضهم في الأفراح والأتراح، حتى الشراء من المحال، لا يمكن حصره بهوية البائع، لأن لا أحد يدقق على جذور صاحب المحل، بل على تعامله مع الزبائن ونوعية البضاعة والأسعار التي يقدمها.
الحالة الاجتماعية الهادئة والمستقرة، تتكرر بحيّ شهير مثل ركن الدين، والمنطقة الأعلى منها" الشيخ خالد"، حيث السكان من جميع ألوان الطيف السوري، فهناك أكراد وفلسطينيون وساحليون ومن المنطقة الوسطى من مناطق متفرقة.
يخبرنا أحمد علاء الدين – إعلامي – أنه كفلسطيني، عاش طفولته وشبابه هنا مع أهالي الحي، من دون أن يعرف طوائفهم أو بلداتهم النائية التي قدموا منها.
ويقول: " درسنا في المدارس مع طلاب من جميع المناطق، وبالعكس كنا سعداء عندما نتعرف إلى شباب من مناطق مختلفة، وأذكر أن سنوات طويلة مرت، قبل أن يعرف كل واحد منا، من أين يتحدر صديقه في الحارة أو زميله في مقعد الدراسة".
لا يتفاجأ الزائر، أن صوت الأذان يصدح بصوت عال في جرمانا، فالمدينة التي كان يغلب عليها طابع معين، باتت تضم جميع السوريين من مختلف المناطق، منذ 14 عاماً عندما بدأ التهجير، واضطرت ظروف الحرب كثيرين للرحيل عن مناطقهم، فلم يكن أمامهم سوى جرمانا.
عدة أماكن عبادة متجاورة في هذه المدينة، الكنيسة تدق ناقوسها يوم الأحد، بشكل طبيعي، وصوت مكبرات الصوت الصادرة عن" الموقف" يعلن الوفيات في المدينة، كما تقوم فرق الكشافة بجولات في الشوارع وتعزف الموسيقا في أعياد الميلاد ورأس السنة، من دون أن يشعر أحد بأي مضايقة أو انزعاج.
يحدثنا أبو وسيم، ابن جرمانا، عن كل ذلك، ويسهب في ذكر أحداث من الماضي، تؤكد أن الجميع جزء من نسيج اجتماعي واحد، لكنه يقول بأن هناك من يعمل على بث حالة قطيعية عبر توتير المجتمع، وجعله يشعر بأن كل فئة مهددة من الفئة الأخرى، وهو ما يتسبب بأحداث دافعها الخوف وليس الكراهية.
يسألنا أبو وسيم: " عندما تنزل إلى شارع الحمرا أو الصالحية، هي تشتري بناء على هوية أصحاب المحال؟ وهل تعرف من أين هم؟ كذلك الأمر عندما تركب التكسي أو السرفيس، فكيف الأمر مع من تعيش معه في المبنى نفسه من عشرات السنين؟ ".
في مساكن برزة، حيث التلوينات الاجتماعية نفسها تعيش منذ القدم، تسير الحياة بشكل طبيعي، وهذا لا ينفي حصول بعض الأحداث من قبل شبان مراهقين مدفوعين من جهات ما لافتعال مشكلة من نوع طائفي.
يخبرنا صاحب أحد محال بيع المشروبات الروحية، كيف تهجم عليه عدة شباب مسلحين وحاولوا تكسير المحل، وكيف آزره جيرانه المسلمين بتشعباتهم المختلفة، ويقول: " عشرة العمر، طغت في تلك اللحظة على الاعتبارات الطائفية وأثبتت أن كل شيء يذوب بعامل الحياة والتفاعل اليومي بين الناس".
لاحقاً، تمكنت أجهزة الأمن من ضبط تلك الظاهرة في مساكن برزة، ولم يتكرر الاعتداء على أصحاب محال المشروب، وحسب المعلومات التي انتشرت حينها، فإن عدداً من الشبان الطائشين هم من تورط بهذا السلوك.
يقول صاحب محل المشروب: " هناك من يحاول إشعال نار الصراع الداخلي، سواء كان طائفياً أم عرقياً، وأعتقد أن الأمر مرتبط بجهات خارجية هدفها تفتيت المجتمع السوري، الذي لم يعش حرباً أهلية في تاريخه".
الهوية الواقعية في مواجهة" الوهم الرقمي".
في الواقع تخضع أجسادنا لرقابة فيزيائية واجتماعية مباشرة (نظرات الجيران، قوانين العمل، الحياء الاجتماعي، الخوف من العقاب إلخ.
).
هذه الرقابة تفرض" الهدوء" كشكل من أشكال الانضباط.
أما في الواقع الافتراضي تتحرر الأجساد من الرقابة المكانية، لكن تظل" الذات" محبوسة في صراع الخطاب، لذلك ما نراه من عنف هو" انفجار" للقوى التي يكبتها الانضباط في الواقع الحقيقي.
يتحدث كثير من السوريين أن الحياة في الواقع مختلفة عما يتم تداوله من خطابات عنف على وسائل التواصل، ويصفون الحياة الطبيعية والتفاعل اليومي القائم على تبادل المصالح بين السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، إذا أين هي الحقيقة؟في الواقع الافتراضي نعيش في حالة رؤية دائمة، " الجميع يراقب الجميع"، هذا الضغط قد يجعل الناس في حالة استنفار" قتالي" دائم؛ فإما أن تهاجم لتثبت وجودك وانتماءك إلى جماعة معينة، أو تصبح ضحية للمراقبة والنق، العنف اللفظي هنا قد يكون" أداء" أمام الجمهور.
السوريون في الداخل، وبعد سنوات من الموت والحرب، قد يميلون إلى" الهدوء" كآلية للبقاء، فالجسد المتعب يبحث عن الأمان، وهذا ما يمكن تسميته بـ" هدوء الضرورة".
أما الحياة الافتراضية فهي المكان الوحيد الذي يمكن فيه ممارسة" القوة" من دون خوف مباشر من الاعتقال أو التوقيف أو العقاب، ويظهر الإنترنت كـ" مختبر" تُمارس فيه الحروب التي لا يستطيع الناس خوضها في الواقع بسبب التعب أو الخوف.
وعندما يصبح الصراع على" من نحن؟ " وليس على" ماذا سنأكل؟ "، يصبح الوصول إلى عقد اجتماعي هادئ مهمة شاقة لأن التنازل هنا يبدو كأنه" خيانة للذات".
ففي العقد الاجتماعي العادي، نتنازل عن بعض المصالح لنعيش بسلام.
لكن في سوريا (كما يظهر في خطاب الكراهية الرقمي)، الصراع اليوم هو على الهوية والمعنى.
كيف يمكن بناء عقد اجتماعي على" الهوية المعاشة"؟يقول الباحث الاجتماعي د.
طلال المصطفى لموقع تلفزيون سوريا: " في التجربة السورية، غالباً ما جرى تقديم الهوية باعتبارها إطاراً كلياً جاهزاً: قومياً أو دينياً أو أيديولوجياً أو مناطقياً.
غير أن سنوات الصراع بيّنت أن هذه السرديات، عندما تُسخَّر سياسياً وتُحمَّل فوق طاقتها الرمزية، يمكن أن تتحول من أدوات تعريف إلى أدوات فرز واستقطاب".
ويضيف: في مقابل ذلك، أخذت تتبلور هوية من نوع مختلف؛ هوية لا تُعلن في البيانات بل تُمارَس في الحياة اليومية.
إنها" الهوية المعاشة" التي تنمو في تفاصيل العيش المشترك، وتتجسد في:
التعايش الضروري داخل الأحياء المختلطة، حيث يفرض الجوار منطقه العملي بعيداً عن الشعارات.
شبكات الثقة الاقتصادية، من محال البيع الشعبية التي تُدار بالاستدانة والسمعة، إلى الشراكات الصغيرة وأشكال التعاون البسيطة.
المصاهرات التي تتجاوز الانتماءات الضيقة وتعيد نسج الروابط الاجتماعية.
اقتصاد البقاء المشترك الذي يجعل الاستمرار مسؤولية جماعية.
الذاكرة اليومية الجامعة: الأغاني، المطبخ، العادات، وتداخل اللهجات.
تكمن قوة هذه الهوية في أنها تتشكل خارج منطق الاستقطاب، وتبني قنوات تواصل غير مرئية لكنها فعّالة وعميقة الأثر.
ما يُوصَف أحياناً بالصمت الشعبي أو البراغماتية، يمكن قراءته بوصفه استراتيجية بقاء واعية.
فاختيار السوريين الاستثمار في “رغيف الخبز” و“ثقة الجار” هو إعادة ترتيب ذكية للأولويات: المعيشي قبل الأيديولوجي، والمحلي الملموس قبل المجرد النظري.
ووفق المصطفى فهذا السلوك اليومي يعكس فهماً ضمنياً بأن استمرار الحياة شكل من أشكال مقاومة الفوضى، وإعادة بناء الثقة تنطلق من القاعدة الاجتماعية لا من السياسية.
الثقة التي تتولد في السوق والحيّ بحسب المصطفى يمكن أن تتحول إلى رأسمال سياسي قابل للبناء عليه عبر:
مجالس محلية أكثر تمثيلاً وفاعلية.
مبادرات تشاركية لإدارة الخدمات العامة.
صيغ حكم محلي تقوم على الكفاءة والاحتياجات الفعلية لا على الانتماءات الضيقة.
فالعقد الاجتماعي الجديد لا يبدأ بإعادة تعريف الدولة فحسب، بل بإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس واضحة: الشفافية، المساءلة، تكافؤ الفرص، وعدم الإقصاء.
إن التفاعل الاقتصادي اليومي بين السوريين، رغم الانقسام السياسي والجغرافي، يبرهن أن شبكة المصالح المشتركة أقوى من خطوط التماس.
ويمكن البناء على هذا المعطى عبر:
سياسات تنموية عادلة وغير تمييزية.
إعادة إعمار تراعي التوازن والعدالة المناطقية.
تشجيع المشاريع العابرة للمناطق والانتماءات.
دعم الاقتصاد المحلي الصغير بوصفه حاضنة طبيعية للتماسك الاجتماعي.
فالاقتصاد هنا ليس مجرد شأن تنموي، بل رافعة لإعادة إنتاج المواطنة وتعزيز الشعور بالشراكة.
الاعتراف بالتعدد من دون تحويله إلى انقسام.
فالهوية المعاشة لا تنفي التعدد الثقافي والديني والإثني، لكنها تتعامل معه بوصفه حقيقة يومية طبيعية، لا تهديداً وجودياً.
وعليه، ينبغي أن يقوم العقد الاجتماعي الجديد على:
لا مركزية إدارية تعزز المشاركة وتحافظ في الوقت ذاته على وحدة الدولة.
لم تعد الشرعية تُختزل في الانتخابات الشكلية أو التمثيل الرمزي، بل تُقاس بمدى قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وحماية الحقوق والحريات وإدارة التنوع بعدالة وتحقيق حد أدنى من العدالة الانتقالية.
فالمجتمع الذي أعاد ترميم ثقته بنفسه في الحيّ والسوق، لن يقبل بعقد سياسي يعيد إنتاج التهميش أو الإقصاء.
كما أن العدالة الانتقالية شرطاً للتماسك المستدام، إذ لا يمكن تحويل الهوية المعاشة إلى عقد دائم من دون معالجة جراح الماضي.
غير أن العدالة المطلوبة كما يقول المصطفى يجب أن تكون: إصلاحية لا انتقامية قائمة على كشف الحقيقة وجبر الضرر ومهيئة لمسارات مصالحة مجتمعية تدريجية.
أما شروط البناء السياسي على الهوية المعاشة، بحسب الباحث الاجتماعي فتقوم على تحييد الخطاب السياسي عن الاستقطاب الهوياتي، وتوجيهه نحو القضايا المعيشية والخدمية وتمكين المجتمع المدني المحلي بوصفه حلقة وصل بين اليومي وصنع القرار، إضافة إلى إصلاح المؤسستين الأمنية والقضائية بما يعيد الثقة بالدولة كضامن للحقوق لا كطرف في النزاع، وتطوير المناهج التعليمية لتعكس التنوع السوري وتعزز قيم المواطنة، ومن دون نسيان ضرورة إشراك الشباب والنساء الذين اضطلعوا بأدوار مركزية في شبكات الصمود المجتمعي.
دور الحياة اليومية في ترميم الهوية.
التاريخ يثبت أن إعادة صياغة المجتمعات لا تتم فقط عبر الاتفاقيات والمؤتمرات، بل عبر التراكم الصامت للممارسات اليومية.
في الحالة السورية، تبدو الحياة وقد سبقت السياسة؛ إذ أعادت إنتاج أشكال من التعايش والاعتماد المتبادل رغم كل الانقسامات، يقول المصطفى.
ويضيف أن البناء السياسي على" الهوية المعاشة" يعني الإصغاء الفعلي إلى نبض الشارع، لا الاكتفاء بتمثيله رمزياً، وتحويل “رغيف الخبز” و“ثقة الجار” إلى مرتكزات دستورية: العدالة، الكرامة، المساواة، والمسؤولية المشتركة.
ويرى أنه" إذا كانت السرديات الكبرى قد أخفقت في توحيد السوريين، فإن العقد الاجتماعي الجديد قد يولد من التفاصيل الصغيرة: من اليومي، من المشترك، من الضرورة التي تحولت إلى وعي جمعي.
وهنا تكمن الإمكانية التاريخية: أن تتحول سوريا من ساحة صراع على تعريف الهوية، إلى فضاء مفتوح للتفاوض المستمر حول أفضل السبل للعيش معاً".
في نهاية المطاف، يبدو أن سوريا التي عجزت" السياسة" عن توحيدها حتى الآن، قد تنجح" الحياة" في ترميمها كسورها بصمت.
فالهوية السورية الجديدة قد لا تولد في أروقة الفنادق ولا في خطابات النخب، بل تُصاغ خلف واجهات المتاجر، وعلى موائد المصاهرة، وفي ضجيج الأسواق.
ربما يثبت السوريون لاحقا أن" هدوء الضرورة" ليس مجرد استسلام للواقع، بل هو ذكاء اجتماعي فذ؛ حيث اختاروا أن يكون" رغيف الخبز" و" ثقة الجار" هما العقد الاجتماعي الجديد الذي لا يقبل الإقصاء.
وبينما تستمر الحروب الصامتة والضجيج الرقمي، يبقى الشارع السوري هو" المختبر الحقيقي" الذي يؤكد يوماً بعد يوم: أن ما يجمع السوريين في تفاصيل عيشهم، أعمق بكثير مما يفرقهم في سردياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك