48 هي رواية للكاتب محمدالمصطفى موسى حامد.
لا شك أن هذا العمل يمكن إدراجه ضمن الروايات التاريخية.
ألقت الرواية الضوء على مدينة (البقعة) أمدرمان أيام الإستعمار الإنجليزي.
صَوَّرَت الرواية الصراع الإجتماعي في الفترة ما بين 1937 إلى 1948.
واتخذت من سوق العيش مسرحاً للصراع.
فكرة الرواية – بحسب ظني – تمحورت في مقاومة صاحب الأرض للمستعمر.
اتخذت هذه المقاومة أشكالاً شَتَّى:
فتارة تتمظهر على هيأة تصريحاتٍ نارية من قُبَيل: “ مافي شراكة بين عَتَّال وخواجة ”.
هنا بالضبط أشعل (سيد الرجال) شرارة المقاومة ضد الخواجة الإغريقي ديمتريوس.
وأحياناً تستبين ملامح هذه المقاومة في شكل احتمال الظروف المعيشية وتحمُّل الجوع.
تجد هذا الملمح في مقولات من أمثال: “ البطن إن جاعت النفيسة ما هانت “.
أبرز كاتبنا الشاب محمدالمصطفى موسى تَفَوُّق صاحب الأرض على المستعمر المُتَغَوِّل.
واتخذ من الصفات الجسدية أداة لتحقيق هذه الغاية.
لندع للكاتب فرصة لإعتلاء مسرح السرد لإطلاعنا على هذه السطوة وهذا التفوق:
“ مضى خلفه سيد الرجال بخطى واثقة، فبدا بقامته المرتفعة وكأنه تبلدية سامقة تشمخ فوق قامة الخواجة الموغلة في القصر”.
بلغةٍ فنية ذات جرس وموسيقى، أطل علينا الروائي محمدالمصطفى موسى بـ (48) وكأنه يُنشدنا شعراً مُقَفَّى.
اللغة عند محمدالمصطفى سيدة تتربع على عرش السرد وتجذب إليها الأنظار كنجمة (هوليوودية) مرَّت بالمكان.
محمدالمصطفى لا يهاب التجريب، والسرد عنده رشيق يتفَجَّر بطاقة وحيوية.
وأنت تطالع الرواية، يتسَرَّب إليك ذاك الإحساس باتساع ماعون اللغة وتَنَوُّعِهَا، أظهر كاتبنا تباينا بَيِّنَاً في استخدام الكلمات، عطفاً على أنه اجترح لنفسه مفردات تخصه.
أفلح الكاتب بجدارة في نسج خيوط أسلوبه الخاص بحيث أنَّ القاريء إن تَعَثَّرَ – على سبيل المصافة – باحدى كتاباته لابتسم وأردف: “ هذه الكتابة تنتمي لمحمدالمصطفى موسى “.
وهذا في تقديري نجاح يُحسب للأديب محمدالمصطفى في حفر اسمه برسوخ في سماء الكتابة الإبداعية.
“ ما زال عطرها الفَوَّاح مقيماً بحنايا ذاكرته الخبيئة، يحتفر منها الأغشية ويستوطن منها الأغوار.
كيف له أن ينسى تلك الليلة التي رَسَت فيها سفائن العشق عند ساحل الإرتواء.
في غسقها، اكتملت لحظة التجلي بذرى عصية شاهقة”.
لم ينحصر الصراع بين السودانيين والدُخلاء الأجانب فقط في سوق العيش، بل امتد ليشمل ميادين كرة القدم، الموردة يسحق نادي إستاك.
وأمدرمان ترقص على ايقاع الإنتصار.
رغم تعدد الشخصيات، وتَنَوُّع خلفياتها الإثنية والدينية والثقافية، وتشابك الأحداث، أفلت الكاتب من فخ الترهل والإسترسال الممل.
في المقابل؛ نجده أمسك بخيوط السرد بحرفية فنان ماهر.
صعد بالصراع إلى نقطة الذروة، فكان الهبوط بسلاسة وهدوء إلى نهاية الأحداث.
اعتمد كاتبنا تقنية الرجوع بالذاكرة لأحداثٍ مضت (Flash Back)واستلهام التاريخ وبالأخص زمان المهدية.
حيث نجد الراتب حاضراً، وقبة الإمام المهدي شامخة وظلها ممتد، وانتصارات عثمان دقنة في شرق السودان تهز الآفاق بصداها المنبعث من دهاليز التاريخ.
احتراق مصنع البعلبكي اليهودي ذو الأصول اللبنانية رمز لانتصار المقاومة الشعبية على المستعمر الغاشم.
أمَّا عن العنوان فهو لغزٌّ مُحَيِّر؛ لكننا سنخوض غمار تفكيكه متوكئين عصا المنطق العقلاني؛ رُبَّما أن الكاتب يشير إلى أنَّ العام 1948 هو النقطة الزمنية التي استدارت فيها حلقة الأحداث حتى بلغت حد الإكتمال، فالتعمت تفاصيلها في ذهن دنكان هيمفري – مفتش مركز أمدرمان – فخطَّها على دفتر مذكراته.
تكمن أهمية الرواية – في تقديري – أنها لَخَصَّت أزمة العقلية السودانية التي أضحت متلازمة لم ننفك منها بعد كداء عضال.
وأجابت الإستفهام القائل: لماذا نحن متخلفون عن ركب الحضارة؟هنا نفسح مساحة للورد إكسيلي وهو يخاطب الشاب المتحمس هيمفري بكلمات مؤثرات بعد أن أسدل نظارته الطبية:
“ لن يفلح إداري قط في عمله بالسودان، إن استخفَّ بجمره الحَرَّاق.
ليس الأمر كما تظن.
ستدير هناك قوماً قلوبهم شَتَّى مختلفات.
تسيدناهم بصنع الحداد الذي هو منهم فألفيناهم غارقين في إعادة انتاج أزماتهم.
يأمنون مفتش المركز والمأمور أكثر مما يأمنون بعضهم بعضاً.
يجتمعون حول الأكاذيب والأوهام ويتفرقون حول الحقيقة والوطن.
أنصت لهم بنصف قلب فهم أهل حسدٍ ووشاية.
ولتكن إدارياً عليهم بكامل عقلك فهم شعوبٌ غريبة.
لست أرتاب أنَّ بهم جميعاً مَسَّاً من جِنَّة؟هذه قراءة مفصلة للأزمة السودانية بعدسات أجنبية.
هنا تتموضع أهمية الأدب الهادف – إن صَحَّت مني العبارة – في استلهام التاريخ لفهم الحاضر والعودة إلى الجذور لاستيعاب الراهن.
بعبقرية ناصعة مزج أديبنا محمدالمصطفى موسى الوقائع بالخيال.
كَشَفَ المستور ورفع أستار مسرحه على حقبة زمنية شَكَّلَت أهمية كُبرى تمثلت في إزكاء أتون المقاومة ومناوئة المستعمر الغاشم.
ونحن هنا لا نملك إلا أن نقف تقديراً واحتراماً لهذا العمل القيم شكلاً ومضمونا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك