لقد خلق الله الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، خلق النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة، خلقنا شعوبا وقبائل ومجتمعات، لذلك حرّم الله على الإنسان كل ما فيه ضرر عليه وعلى المجتمع المحيط به، كالأفعال المشينة التي تلحق الضرر بالمجتمع كله، فهنا شدَّد القرآن على تحريمها لكي يعتدل مسار المجتمع البشري، حتى لا يصبح غابة حيوانية تأكل بعضها بعضا، ولا تأبه لأي شرائع ولا قوانين ولا أعراف تمنعها أو توقفها عند حدها.
من العجيب أن يقول البعض بنسبية الأخلاق وأنه تختلف مفاهيمها من مجتمع لآخر، ومن عصر لعصر وكأن الأخلاق مفاهيم مطاطة قيمها محكومة بأحكام وتفاسير فردية، حسب الأحوال المزاجية والثقافية والترفيهية.
والأبشع كذلك عندما تجد أصحاب منطق نسبية الأخلاق والمبادئ يقولون أيضا -وبالتبعية- بنسبية الرذائل، وكل هذه الأمراض الاجتماعية التي تفشت في المجتمعات بحجة الحرية الفردية واختلاف الثقافات عند المجتمعات التي تدعي التحضر والرقي، كل ذلك حين جانبهم الصواب فجعلوا من مفاهيم الأخلاق وما يقابلها مفاهيم نسبية سطحية لا يعتد بها، والحجة أن تلك السلوكيات المشينة هي عندهم حرية شخصية وسلوك لا عيب فيه.
لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النور: 19 مدنية).
ذكر القرآن المحرمات من باب حرص الخالق على سلامة كل الناس في كل المجتمعات وحتى قيام الساعة، وأكثر ما تحدَّث عنه القرآن كلما ذكر الفواحش هو الزنا واللواط، فإن ضرر الزنا ليس فقط على الزانية والزاني؛ بل على المجتمع بأثره حين تشيع فيه هذه الفاحشة فاحشة الزنا.
فالزنا يهدم البيوت ويدمر الأسر، ويضيع الحقوق، ويدخل على القوم من ليس منهم، ويخلط الأنساب، فلا يكاد الرجل يعرف ابنه ولا يكاد الابن يعرف أباه فيخرج للمجتمع مجموعة من اللقطاء، وطبقات بلا هوية، حاقدة على المجتمع، لا تعرف العطف، ولا العلاقات الأسرية، وتجمع صفات الشر كلها من الغدر، والكذب، والخيانة، لذلك واكثر قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (سورة الإسراء: 32 مكية).
تُطلق الفاحشة على اللواط كما في قول لوط لقومه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ}[العنكبوت: 28].
وما أعظم من مصيبة اللواط بما فيه من قبح فنهى الله عنه بشدة لضرره الكبير على الفرد والمجتمع، وذُكرت قصة سيدنا لوط في القرآن الكريم للإشارة إلى عمل قوم لوط، والتأكيد على منع ما ظهر منها وما بطن.
فالأصل في الإنسان الطهارة والنقاء، والفطرة السوية، وبالتالي يكون مجتمعهم مجتمعا نظيفا طاهرا ليس فيه ما يشينه أو يشين أهله أو ينتقصهم، ولذلك حرم الله سبحانه الوقوع في فاحشة الزنا واللواط لانهما يدمران الفرد والمجتمع وسبب مباشر في الهلاك المحتم، والأدهى والأمر أن هاتين الفاحشتين العظيمتين والمصيبتين الكبيرتين وجدتا في عصرنا من يضعهما تحت مبدأ الحرية الشخصية وبئس بها حرية، الزنا، واللواط والسحاق وما شابه هذه القاذورات.
لقد حرَّم الله أفعال قوم لوط وجعلها من الفواحش، فإنه أشد وأقبح من الزنا، وهي من أحط وأنذل الفواحش وأحقرها، وما سمع العالم بها حتى كان قوم لوط، وهذا فعل لا يمكن أن يقع إلا إذا ذهبت الفطرة، واختل العقل، وذهبت المروءة، ورحل الحياء، واختلت الرجولة فلا ينتفع بصاحبها بعد ذلك أبدا.
المثلية انتكاس الفطرة واختلال العقول والأخلاق وخروج عن مألوف طبيعة الخلقة، ومصادمة لمواطن الحكمة، وتحد صارخ لمقاصد الوجود، اقرأ وتأمل كيف عاقب الله قوم لوط، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ.
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}(هود: 82، 83).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك