تكشف الوقائع التي عاشها عدد من لاعبي كرة القدم السابقين عن تحديات مالية حقيقية تبرز بعد الاعتزال، رغم المسيرات الطويلة والعقود الكبيرة التي وُقّعت خلال سنوات الاحتراف.
وتسلّط هذه الحالات الضوء على جانب قلّما يُناقش في عالم كرة القدم حيث لا يشكّل الدخل المرتفع ضمانة دائمة للاستقرار، في ظل استثمارات غير محسوبة، وتغيّرات حياتية مفاجئة، وغياب التخطيط المالي طويل الأمد.
ومع انطفاء الأضواء وتراجع الموارد، يجد بعض اللاعبين أنفسهم أمام واقع جديد يفرض إعادة النظر في كيفية إدارة الثروة والاستعداد لمرحلة ما بعد الملاعب.
وبحسب تقرير صحيفة ذا إثلتيك البريطانية، فقد عانى المهاجم الإنكليزي السابق، دين وينداس (56 عاماً)، من أزمة مالية لاحقته بعد سنوات من اعتزاله.
وخاض وينداس مسيرة احترافية استمرت 18 عاماً، لعب خلالها في مختلف درجات الدوري الإنكليزي، وشارك في الدوري الممتاز مع أندية برادفورد سيتي وميدلسبره وهال سيتي، إلى جانب تجربة في الدوري الاسكتلندي مع أبردين.
ورغم ابتعاده عن دائرة النجومية، فقد جاءت مسيرته خلال فترة شهدت نمواً مالياً لافتاً في كرة القدم الإنكليزية، ما أتاح له تحقيق عوائد مالية جيدة قياساً بتلك المرحلة.
غير أن الصورة انقلبت رأساً على عقب بعد سبع سنوات فقط من اعتزاله عام 2009، إذ وجد وينداس نفسه مفلساً عملياً، بعد أن استُنزفت حساباته بسبب مطالبة ضريبية بلغت 164 ألف جنيه إسترليني، نتيجة دخوله في استثمار غير مدروس في صناعة الأفلام، إلى جانب تسوية طلاق كلّفته مبالغ كبيرة.
ويتذكر وينداس تلك المرحلة باعتبارها من أصعب فترات حياته، مشيراً إلى الإحراج النفسي الذي رافقه، عندما بات اسمه يُتداول علناً كمثال على الإفلاس بعد الاعتزال.
وأكد وينداس أن الضغوط المالية زادت من معاناته النفسية بعد الابتعاد عن كرة القدم، موضحاً أن الاعتزال بحد ذاته يُعد مرحلة قاسية لأي لاعب، فكيف إذا ترافق مع أزمات مالية خانقة، مشدداً على أنه لم يكن متهرباً ضريبياً، بل وقع ضحية نظام استثماري خاطئ لم يدرك تبعاته في حينه.
ولا تُعد قصة وينداس حالة فردية، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الأزمات المالية التي طاولت لاعبين بارزين في كرة القدم الإنكليزية.
فقد أُعلن إفلاس عدد من الدوليين السابقين، من بينهم الحارس ديفيد جيمس، والمدافع ويس براون، ولاعب الوسط لي هندري، فيما واجه المهاجم السابق إميل هيسكي مطالبات ضريبية تجاوزت 1.
6 مليون جنيه إسترليني.
كما شهدت الفترة الأخيرة إعلان إفلاس تريفور سينكلير، وتقديم طلب إفلاس بحق شون رايت-فيليبس، في مشهد يعكس استمرار الظاهرة.
وتعود هذه الأزمات، بحسب مختصين، إلى أسباب متكررة تشمل الاستثمارات الخاطئة، والنزاعات الأسرية المكلفة، ونمط الحياة الباذخ الذي يتجاوز الإمكانات الحقيقية بعد توقّف الدخل.
ولم تقتصر هذه الظاهرة على لاعبين محليين، إذ عانى نجوم عالميون، مثل دييغو مارادونا ورونالدينيو، من صعوبات مالية بعد اعتزالهم، رغم ما حققوه من ثروات ضخمة خلال مسيرتهم.
وفي سياق متصل، تسلط قصة كيرتس أندرسون الضوء على جانب آخر من المشكلة.
فأندرسون، الذي كان الحارس الأساسي لمنتخب إنكلترا المتوج بكأس العالم تحت 17 عاماً عام 2017، اعتزل كرة القدم مبكراً في سن 22 عاماً بعد تجربة احترافية محدودة، واتجه لدراسة التخطيط المالي، ليعمل لاحقاً في مجال إدارة الثروات الرياضية.
وأكد أندرسون للمصدرر ذاته أن الأندية لا توفر دعماً تعليمياً كافياً للاعبين فيما يخص إدارة الأموال، مشيراً إلى أن معظم التوجيه يقتصر على التحذير من القمار والكحول، من دون التطرق إلى التخطيط المالي طويل الأمد.
وأوضح أندرسون أن عدداً كبيراً من اللاعبين ينفقون رواتبهم على سيارات فارهة ومنازل فخمة وساعات باهظة الثمن، من دون التفكير في المستقبل، لافتاً إلى أن الاهتمام بإدارة الأموال غالباً ما يأتي متأخراً، عندما يقترب اللاعب من نهاية مسيرته.
وأضاف أن غياب الثقافة المالية يجعل اللاعبين عرضة لصدمات كبيرة عند توقف الرواتب أو ظهور التزامات ضريبية مفاجئة.
من جانبه، شدد سوفیان دافي، الشريك المؤسس لشركة سبورت ليغاسي، المتخصصة في إدارة شؤون الرياضيين، على أن التعليم المالي يجب أن يبدأ في سن مبكرة، مؤكداً أن توقف الراتب الكروي يصنع فجوة كبيرة في حياة اللاعب إذا لم يكن مستعداً لها.
وأشار إلى وجود أطراف تستغل جهل بعض اللاعبين بالمسائل المالية لتحقيق مكاسب شخصية على حسابهم.
بدوره، استعاد النجم الهولندي السابق رايان بابل تجربته مع الإنفاق المفرط في بداية مسيرته، معترفاً بشراء سيارات فاخرة واعتماد نمط حياة مكلف، قبل أن يدرك لاحقاً ضرورة ضبط النفقات.
وأكد بابل أن كثيراً من اللاعبين يتحوّلون إلى مصدر تمويل دائم لمحيطهم الاجتماعي، قبل أن يختفي هذا المحيط تدريجياً مع تراجع الموارد المالية.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما بين 10 و20% من لاعبي كرة القدم المحترفين يواجهون أزمات مالية بعد الاعتزال، رغم الرواتب المرتفعة التي يحصلون عليها، إذ تجاوز متوسط أجر اللاعب في الدوري الإنكليزي الممتاز 100 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً خلال السنوات الأخيرة.
وتبقى هذه القصص المتكررة دليلاً واضحاً على أن النجاح داخل المستطيل الأخضر لا يضمن الاستقرار خارجه، وأن غياب التوجيه المالي والتخطيط السليم قد يحوّل مسيرات كروية ناجحة إلى معاناة طويلة بعد الاعتزال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك