في كتابها «مصر في عيون ليبية»، تضع الكاتبة والباحثة فاطمة غندور نتاج مقالات نشرتها بانتظام أسبوعيا بموقع «البوابة نيوز»، في الفترة من 2017 إلى 2019، ناثرة عصارة ذاكرتها الإنسانية والثقافية فيما يخص التواصل بين مصر وليبيا من خلال أسماء كتاب وكتب، وكذلك على مستوى الفعاليات الأدبية، وما يتماس أيضا مع المنعطفات التي شهدها البلدان قبل وبعد ما عُرف بـ«الربيع العربي».
الباحثة تقدم الإهداء لشخصيات تفسر جانبا من مضمون الكتاب، منهم خديجة الجهمي التي قطعت بر الشرق الليبي باتجاه الإسكندرية، بحثا عن والدها، فتشرع في الاستفادة من معطيات المكان في زيارات أخرى.
ففي المدرسة الليلية بالقاهرة تُكمل دراستها، وبدورات الصحافة تشرع طريقها لاحقا ككاتبة وإعلامية.
كما تقدم الإهداء إلى خديجة عبد القادر، ابنة المدينة القديمة بطرابلس، خريجة معهد سرس ليان - المنوفية، وهي أول كاتبة أدب رحلات بكتابها «ليبية في بلاد الإنجليز»، ثم تنتهي بأسمهان الفرجاني: أول ليبية متخصصة أكاديميا في الفن التشكيلي، التي درست بالقاهرة، واختارتها مكان إقامة لاحقا، وهي الأولى كمهندسة ديكور بالتلفزيون الليبي.
ضمن تقديمه للكتاب، الصادر عن دار «الأدهم»، يرى الناقد والروائي أحمد الفيتوري أن الكاتبة فاطمة غندور أول ليبية تصدر كتابا عن مصر، بل قد تكون أول عربية تفعل ذلك، مشيرا إلى أن الإصدار يعكس سياحة «الناثر الشغوف» بمنثور المكان كما الزمان، فالحريص على الجدة استكشاف ما اعتدنا، لأن العادة تمحو النضارة واليناعة.
ويقول الفيتوري: «من ذاك العيون الليبية سترى ما لم يُر، ومثلها كمن يرى الصورة من بعيد، خاصة وفاطمة غندور فنانة مارست المسرح ممثلة قبل التدريس، ومعلمتها من كانت شقيقة للموسيقار بليغ حمدي، أو ممثلة مصرية عَرفتها وحَاورتها كصحفية، عطيات فرغلي، زوجة للموسيقى الليبي الكبير محمد مرشان».
وفي متن الكتاب نتوقف عند بعض العناوين، للتعريف بما دونته الباحثة في سفرها، وهي تعبر وجدانيا وفيزيائيا من طرابلس إلى القاهرة والعكس.
وتحت عنوان «ليبيون في القا هرة»، تشخص الكاتبة ملامح الحراك الثقافي والسياسي بعد الانتفاضات العربية (2010 – 2011).
فبموازاة اللقاءات السياسية الداعية إلى العمل الوطني الجامع، جاورت الأنشطة الإعلامية والثقافية كل ذلك الحراك.
ففي منجز بكر في تاريخ الثقافة الليبية، ي قارب مُبتدأ الكتابات الشابة، التي انبثقت مع المتغيرات والمناخات الحرة أخيرا، أُقيم بالجامعة الأميركية (23 مايو 2017) حفل إصدار شبابي أدبي، بعنوان «شمس على نوافذ مغلقة»، من إصدارات مؤسسة «آريتي».
في السياق نفسه، كما وثقت غندور، كان إعلان موقع شبابي للشعر المترجم في حفل (4 أبريل 2017) بقاعة «أورينتال هول - الجامعة الأميركية»، بحضور نخبة من المثقفين المصريين، والجالية الليبية، تشرع في فتح بوابته مؤسسة «آريتي» الليبية بإدارة الشاعر خالد مطاوع، والفنانة التشكيلية ريم جبريل.
موقع الشعر العالمي متاح لقراءة ما يقارب 100 نص، وصوتيا بأداء الإعلاميين علي أحمد سالم وفاطمة غندور.
وتستذكر الباحثة الحفل الذي أقامته المندوبية الليبية بجامعة الدول العربية، لتكريم الرائد الإذاعي والممثل علي أحمد سالم، لما قدمه خلال مسيرته الفنية التي تجاوزت نصف قرن.
يوثق «مصر في عيون ليبية» ضمن اللقاءات الثقافية إحياء ذكرى من غادرونا، وهم رموز وشخصيات وطنية فاعلة، على رأسها المناضل الليبي نوري الكيخيا، ورئيس هيئة دعم وتشجيع الصحافة أدريس المسماري.
كما جرى لقاء تأبين الشاعر والدبلوماسي محمد الفقيه صالح، الذي حظي بمشاركة مثقفي مصر بتناولهم المنتج الليبي مثل الراحل حلمي سالم، والشاعر جمال قصاص، والباحث والصحفي عيد عبد الحليم.
- للاطلاع على العدد «534» من جريدة «الوسط».
اضغط هنا.
وتشير فاطمة غندور إلى عدد من الدوريات الليبية، والمواقع الإلكترونية والمحطات الفضائية التي اتخذت من مصر مقرا لها.
كذلك دور النشر التي عرفت بالكتاب الليبي، وأسهمت بالمقابل في توطيد التواصل الثقافي بين ليبيا ومصر.
الكاتبة تنتقل إلى محطة أخرى، وهي رحلة المواصلات، خصوصا عندما كانت حديثة العهد بالقاهرة كطالبة موفدة للدراسة، حيث تعلق: «تطلب الأمر أن أقضي صباحاتي أتنقل من مكان إلى آخر، لأجمع الأختام والتوقيعات، وأصادق على مسوغات ينبغي تقديمها للحصول على معادلة المجلس الأعلى للجامعات، ومن ثم التوجه للحصول على قبول من جامعة وكلية التخصص، وتطلب ذلك ما يقارب الثلاثة أشهر.
في هذه الفترة، نصحني وعلمني رفاق تزاملت معهم، وبعضهم حضر قبلي إلى مصر، كيف أُقارب وأتحين مواعيد وأماكن وسائل المواصلات المختلفة».
هنا نري جانبا من أدب الرحلات، ونلاحظ كيف تعطيك التجربة مفاتيح الدخول للبلد، بينما تكون مع الصدقات والتفاعل البشري نوعا من كيمياء التعارف على الأماكن، كما وثقته غندور في الكتاب.
ومن المواصلات إلى الفنانة أم كلثوم، التي تستذكرها الكاتبة تحت عنوان «شخصيات» من خلال صورة نشرتها الكاتبة، والإعلامية الرائدة عايدة الكبتي، عبر صفحتها بـ«فيسبوك»، تجمع بين الصحفية القديرة خديجة الجهمي و«كوكب الشرق» أم كلثوم، وكيف أثارت هذه الصورة تساؤلات غندور عن زمن معرفة الكبتي بأم كلثوم، حيث أجابت الكبتي أن ذلك يرجع إلى زمن وجودها بالقاهرة أيام الطفولة، ثم لاحقا مع عمل والدها في السفارة الليبية بالقاهرة، وحضور حفلاتها، إذ استوعبت ما في صوتها من قوة وحلاوة وشجن.
وعبر هذا التواصل، تتذكر الكاتبة إصدارا فخما وجميلا لمدرسة الفنون والصنائع بطرابلس لمناسبة مئوية المدرسة (تأسست 1895)، وخرجت به صور لزيارة الفنانة أم كلثوم طرابلس.
وكان سبب الزيارة مجيء السيدة أم كلثوم إلى طرابلس وبنغازي مارس 1969، في نطاق دعمها المجهود الحربي لمصر الشقيقة.
وبعد الصحافة المكتوبة والفن تنتقل إلى الإعلام المسموع والمرئي، وتذكرنا الكاتبة بحضور الإعلامية المصرية عفاف زهران، القادمة من إذاعة الشرق الأوسط، منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وذلك ضمن تعزيز القدرات الإذاعية الليبية بخبرات من عناصر عربية، خاصة مع قلة العناصر النسائية، حيث حضرت الإعلامية ضمن البعثة التلفزيونية، وعملت بعقد هيئتهُ وزارة الإعلام، ووزيرها الصالحين الهوني، الذي رأى في ذلك تطويرا لقطاع الإعلام المحلي.
وتتوقف غندور عند تكريم المجلس الأعلى للثقافة بمصر أستاذ الأدب الشعبي الدكتور أحمد مرسي، الذي عرفته قارئة وباحثة في مفتتح الألفية خلال دراستها العليا بجامعة طرابلس.
وتقول معلقة: «أغلب كتبه المُهمة ضمن مراجعي، ولاحقا كُتبي في بحثي حول الحكاية الشعبية الليبية (جنوب ليبيا.
واحة براك الشاطي نموذجا).
ومع العشرية الثانية للألفية، تشاركتُ معه في مؤتمرين، أولهما بالاسكندرية 2015، ثم بالمنصورة 2016.
وفي مداخلتي بأمسية تكريمه في المجلس حكيت كرمه ومساندته».
أيضا نلتقي في هذا الكتاب أسماء أخري ليبية ومصرية في مجال التأليف والشعر والغناء مثل الفنان عبدالحليم حافظ والشاعر الليبي عبدالجليل سيف النصر، وشذرات من رحلة الكاتب الصحفي والمؤرخ عبد الله الإمام لكتابه «الشارع الطويل»، الذي وثق فيه زيارته لبلدان المغرب العربي بستينات القرن الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك