تمخضت السنوات الأخيرة عن أزمات مركبة تغلغلت في نسيج المجتمعات، ومسّت خبز الأفراد وراحتهم، شرع العالم بالتداعي بداية الألفية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، والغزو الأمريكي للعراق الذي تلاه سنة 2004م.
غدت تلك العاصفة التي تلت هدوء الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بُعيد زمن الانقلابات العسكرية والحرب الباردة.
إذ تفرغت الإنسانية لحيز من السلام، مكّنها من الانفتاح على الفنون والآداب والبحث العلمي، أثْرت الإنتاج الفني والأدبي والعلمي.
حلّت بعد بداية الألفية، ثورات الربيع التي أمَّلت بعهد تداول السلط وتحرير العقل والإنسان لتحقيق العدالة الإجتماعية والنهضة التي سطعت أنوارها على أغلب أقطار العالم إلا بلداننا.
لكن اختطاف هذه الحركات، ودخول كيانات سياسية وعسكرية أجنبية على الخط، حوّل تلك المناطق إلى ميادين تصفية حسابات إيديولوجيّة أعادتنا إلى الوراء عوض دفعنا نحو الأمام.
ولم يكد العالم، كذلك، يستسيغ جائحة كوفيد، وما تلاها من أزمات صحية بنيوية وتضخم اقتصادي مهول، حتى اندلع الصراع المسلح في أوكرانيا، والإبادة الممنهجة للفلسطينيين، وكذا الشعبوية غير المعهودة التي تعد بتفجير العلاقات الدولية مع دونالد ترامب الذي لا يعير للأعراف الدولية أية أهمية.
من جانب آخر، تواصل ارتفاع درجة حرارة الكوكب، ما يهدّد الأمن المائي والغذائي جراء شح التساقطات وتوالي سنين الجفاف.
إن الاختلالات المناخية المطردة التي تطبع الكوكب، تسبب في سلسلة من الكوارث الطبيعية التي تتزايد شراستها سنة بعد أخرى، ولعل الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا مسويا مجمعات سكنية كاملة بالأرض، ومخلفا آلاف الضحايا وملايين الدولارات من الخسائر، من أفتك الزلازل في التاريخ المعاصر، شأنه في ذلك شأن زلزال منطقة الحوز بالمغرب، الذي لم يقل تدميرا ولا فُجاءة، هذا دون تتبع سلسلة الحرائق التي تضرب بشكل متتابع عدة دول، بشكل لم يسبق له مثيل.
إن تكالب هذه الأزمات على الفرد المعاصر في فترة زمنية وجيزة، حولته إلى كيان منشطر، غير قادر على استيعاب كل هذه التحوّلات فكيف بالتأقلم معها ومواجهتها، والمحصلة أفراد حيارى، قلقون، قابعون تحت ضغط السعي السيزيفي للتعامل مع تبعات تلك الأزمات اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، حيث يصبح التنفيس عنها يتم حصرا عبر العنف والعنصرية والتطرف والمخدرات ومزيد من النزاعات المسلحة، فالخراب لا ينتج في النهاية سوى الخراب.
يوفّر لنا التاريخ الإنساني الطويل نوعا من العزاء، لأن رحلة البشرية على الكوكب لطالما كانت معروكة بالعرق والدم، إذ يحدثنا المؤرخون عن كوارث لم تخلف خسائر وضحايا فادحة وحسب، بل كادت تستأصلُ وجود النوع البشري من أصله.
أوبئة أفظع، ومجاعات أوسع، ومجازر أشنع، نخلص من تتبعها إلى استنتاج هيغل الخالد: يعلمنا التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ.
جسدت الحربان العالميتان الأولى والثانية، حدود ما يمكن أن تبلغه الوحشية البشرية من تطرف، إذ إن المصادر التاريخية، تشير إلى أن هاتين الحربين وحدهما، كبّدت البشر ملايين الجثث والأشلاء، وألقت إلى حيث اتفق ملايين أخرى من اليتامى والأرامل، كما أنها أفرزت صراعات إقليمية متفرقة نذكر منها حرب الكوريتين، والفيتنام، والهند الصينية، والحرب الباردة، ونكتفي بذكر أن ستالين زعيم الاتحاد السوفيتي السابق، قتل لوحده ما يناهز أربعين مليون شخص.
أما إذا صرفنا وجوهنا تلقاء الكوارث الطبيعية، فإن الإنفلونزا الإسبانية أشهر الأوبئة، ظهرت نهاية الحرب العالمية الأولى في وقت كان العالم فيه ما يزال يلتقط أنفاسه المختنقة بالبارود، ظهرت في الولايات المتحدة سنة 1918م، ثم في أوروبا، وتحدثت الصحافة الإسبانية عن الوباء باعتبارها دولة محايدة خلال الحرب، فسُمي الوباء بالإنفلونزا الإسبانية.
ظلت الدول منشغلة بتضميد جراح الحرب، مع وضع تضرر المنشآت الصحية في الحسبان، والنقص الحاد في الأطر الطبية، أسهم ذلك كله في حصد الإنفلونزا الإسبانية أرواح 50 مليون شخص على الأقل، وإصابة نصف مليار إنسان.
أما طاعون “الموت الأسود” الذي فتك بالإنسانية خلال القرن الرابع عشر، حيث انتقل بسرعة من الصين إلى الهند وآسيا الوسطى حتى اجتاح أوروبا وشمال إفريقيا، وكان في عام 1349م “الموت الأسود” قد تفشى في أوروبا، وقضى على زهاء نصف سكان أوروبا.
تقدر بعض المصادر عدد الضحايا بـ75 مليوناً، وتسبب في تغيرات كبيرة على بنية المجتمعات.
يتقلب الدهر بين فترات رخاء وفترات شقاء كما يصرح ابن خلدون، لا يعني بالطبع أن تلك حتمية لا فكاك منها.
لكنه يلفت إلى إصرار الإنسان على إعادة إنتاج البؤس، عبر تحكيم غرائزه البهيمية، وتغليب نوازعه الأنانية.
لا يسعنا سوى سقي الأمل كما فعلنا دوما، في مجيء جيل من البشر، يتوج العقل والحكمة والتروي والمحبة الصادقة والإخاء الإنساني الخالص، بعيدا عن أهداف مبيتة ومصالح مواربة، آنئذ، وفقط آنئذ، يمكن العيش، لا في انقطاع تام عن كل أزمة، ولكن في قدر أدنى ما يكون من المعاناة، إذا انتفت الحروب والصراعات.
كما ينبغي تسخير كل الطاقات الطبيعية والإمكانات البشرية، واستثمار كل التراكم العلمي والتقني الغزير، والإرث المعرفي الحضاري الوفير، لتطوير أساليب توفر للجميع، ونعني حقّا هنا الجميع، غذاء كافيا، وماء شروبا، وسقفا آمنا، ورعاية صحية وتعليما مناسبين؛ في تلك اللحظة، حصرا في تلك اللحظة، التي يجب أن توسم بالتاريخية، يحق للإنسان، بتعبير رينيه ديكارت “أن يستحق إنسانيته”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك