في سياق دبلوماسي متحرك… ومعادلة إقليمية تتبدل على مهل… تتقدّم المبادرة المغربية للحكم الذاتي بخطاب قانوني متماسك ورؤية سياسية محسوبة… عبر نسخة موسعة صيغت بمنهج مؤسساتي دقيق… يعكس إرادة دولة في الانتقال من منطق المبادرة إلى منطق البناء الدستوري المتكامل.
النسخة المحينة من خطة الحكم الذاتي التي عرضها وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة في مدريد… تشكّل وثيقة مرجعية متقدمة تؤكد أن مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد تصور سياسي نظري… بل أصبح معمارًا قانونيًا متكاملًا قابلًا للتنزيل… ومؤطرًا بمعايير الحكم الذاتي المعترف بها دوليًا.
وتأتي هذه الوثيقة في سياق متابعة دقيقة لمقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797… الذي كرّس الحكم الذاتي باعتباره المسار الأكثر جدية ومصداقية لتسوية النزاع الإقليمي… وهو ما منح المقاربة المغربية قوة مرجعية متجددة… ورسّخ انتقال النقاش من منطق الاستقطاب إلى منطق الواقعية السياسية.
الوثيقة الجديدة… الممتدة على نحو أربعين صفحة… أُنجزت تحت إشراف مستشارين ملكيين بارزين… الطيب الفاسي الفهري… عمر عزيمان… فؤاد علي الهمة… بتوجيه مباشر من الملك محمد السادس… لتقديم تصور متكامل يستجيب لتطلعات الساكنة المحلية… ويواكب المعايير الدولية للحكم الذاتي ضمن إطار السيادة الوطنية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الخطة حظيت بدعم أزيد من مائة وعشرين دولة… وهو مؤشر يعكس اتساع دائرة القبول الدولي للمبادرة المغربية… كما جرى إعدادها عبر مسار تشاوري واسع ضم أحزابًا سياسية ومؤسسات عمومية وخاصة وخبراء متعددين… مع استلهام نماذج الحكم الذاتي الأوروبية والغربية… وتكييفها مع الخصوصية الدستورية والسياسية للمملكة.
تعتمد الوثيقة على المبادرة التي قدمها المغرب للأمم المتحدة سنة 2007… غير أنها أعيدت صياغتها بلغة قانونية دقيقة… تتضمن مواد واضحة… تعاريف قانونية… أحكامًا انتقالية… آليات دستورية… وإجراءات رقابية… لتغدو وثيقة أقرب إلى النماذج القانونية للحكم الذاتي في الأنظمة الجهوية المتقدمة.
وتؤطر الخطة توزيعًا محكمًا للصلاحيات… حيث تحتفظ الدولة بالاختصاصات السيادية الكبرى… الدفاع الوطني… الأمن الاستراتيجي… السياسة الخارجية… العملة… الجنسية… الرموز السيادية… النظام القضائي الأعلى… بينما تُمنح الجهة الإقليمية سلطات واسعة في التخطيط العمراني والاقتصادي… التنمية الصناعية والسياحية… تدبير الموارد الطبيعية… السياسات الاجتماعية… الصحة… التعليم… البيئة… والبنية التحتية… وفق مبدأ التبعية الذي يقرب القرار من المواطن ويعزز الحكامة الترابية.
في الجانب التشريعي… ينص المخطط على إحداث برلمان إقليمي بغرفة واحدة… يضم أعضاء منتخبين عبر نظام التمثيل النسبي وأعضاء معينين من القبائل الصحراوية… مع ضمان تمثيلية النساء والفئات ذات الوضعيات الخاصة… ويتمتع البرلمان الإقليمي بسلطات تشريعية كاملة في مجالات اختصاصه… مع مشاركة ممثلي الإقليم في البرلمان الوطني لضمان حضور القرار الجهوي في القضايا السيادية للمملكة.
كما يقترح المخطط إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي إقليمي… يقدم آراء استشارية إلزامية بشأن الميزانية… ويصدر تقارير سنوية للعموم… بما يعزز الشفافية والمشاركة المجتمعية ويرسخ ثقافة المساءلة الترابية.
أما على مستوى السلطة التنفيذية… فتقترح الخطة حكومة إقليمية يرأسها رئيس يُعين وفق آلية رسمية تضمن وحدة الدولة والتوازن الدستوري… ويتمتع بصلاحيات تنظيمية وإدارية وتشريعية محددة… تشمل تعيين المسؤولين الكبار ومبادرة التشريع الإقليمي… مع تمثيل الدولة داخل الإقليم لضمان انسجام السلطة التنفيذية مع الوحدة الوطنية.
ويُعد هذا الاختيار محل نقاش مع أطراف أخرى تطالب بانتخاب مباشر للسلطة التنفيذية… غير أن المقاربة المغربية تؤكد على آلية التعيين لتفادي ازدواج السلطة التنفيذية… والحفاظ على النسق الوحدوي للدولة.
وفي ما يخص السلطة القضائية… تتضمن الخطة نظامًا قضائيًا إقليميًا يشمل محاكم ابتدائية واستئنافية… ومحكمة إقليمية عليا مختصة بالقانون الإقليمي… مع آليات استئناف أمام المحكمة الدستورية لضمان التوافق مع المنظومة القانونية الوطنية… وآليات واضحة لتسوية النزاعات بين الدولة والإقليم.
الشق المالي يشكل أحد أعمدة الوثيقة… حيث يقترح المخطط نظامًا ماليًا مستقلًا يشمل ضرائب عقارية… ورسومًا على الموارد الطبيعية… وحصة من الإيرادات الوطنية… مع ضوابط على الاستثمارات الأجنبية لحماية السيادة الاقتصادية… ومساهمة الإقليم في الميزانية الوطنية مع الاستفادة من صندوق تعويضي لضمان العدالة المجالية.
وتتضمن الخطة بعدًا تصالحيًا متقدمًا… عبر تنظيم عودة سكان المخيمات… مع آليات دقيقة للتحقق من الهوية وإعادة الإدماج… وإقرار عفو مقنن باستثناء الجرائم الدولية… بهدف تحقيق مصالحة شاملة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة.
كما تنص الوثيقة على تنظيم استفتاء وطني لمصادقة المغاربة على الخطة… وإدماج مضامينها في الدستور… مع وضع آليات صارمة لمراجعة أي تعديل مستقبلي… بما يضمن الالتزام بالوحدة الترابية وتحقيق العدالة بين مختلف جهات المملكة.
وفي ما يتعلق بالهوية والرموز والسيادة… يؤكد المخطط الحفاظ على الرموز الوطنية تحت مسؤولية الدولة… مع الاعتراف بالهوية الحسانية وإحداث معهد ثقافي لتعزيزها… كما تقتصر صلاحيات الأمن الإقليمي على الشرطة الإدارية والقضائية تحت تنسيق وطني… مع منع أي علاقات دبلوماسية مستقلة… بما يرسخ منطق السيادة الواحدة ضمن تنوع ثقافي معترف به.
وتقترح الخطة مراحل تنفيذية واضحة… مع تقييم دوري كل خمس سنوات… وضمانات قانونية تحول دون أي مسار انفصالي… ومشاركة الإقليم في الاستراتيجيات الوطنية والإقليمية والدولية… في إطار وحدة الدولة وتكامل السياسات العمومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك