لا شك أن ترسيخ قيم التسامح والتصالح بين الافراد والمجتمعات أصبح اليوم من الضروريات الملحة والملزمة للنهوض بعالمنا المعاصر لما هو أحسن، خاصة في ظل التخبطات والاستراتيجيات المدمرة والفتاكة لاستقرار وتقسيم الشعوب والمجتمعات فيما بينها، جراء المفاهيم الخاطئة والتعصب ورفض الاخر والانانية الزائدة والمصالح الخاصة والضيقة.
ولهذا فإنه لا سبيل لازدهار الدول ونهضة شعوبها، الا عبر مصالحة صريحة مع الماضي وتسامح صادق الوجدان وبَنًاء ومنصف في الأفكار والمبادئ.
و كذلك من خلال حوار جاد يشمل في طياته دواء وبلسم لمعالجة كل الانفعالات والأزمات والمشكلات المفتعلة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو تنموية أو عرقية.
حقيقة أن الحوار الصادق مع الذات ومع الآخر يقتضي أن نتبادل المعلومات بكل شفافية مع ابراز الأفكار والآراء سواء أكانت تبادلا سلبيا أو إيجابيا، رسمي أو غير رسمي، مكتوبا أو شفويا، ولكن أن يكون غير مقصود بها المجابهة والإفحام من أجل إبراز الذات واسكات الخصم واعجازه من أجل الانتصار للنفس فقط دون حق.
بل العكس من ذلك يجب أن يكون الهدف الأول والأسمى هو فهم وتقريب وجهات نظر الأخرين وتأمل اطروحاتهم وتقويم حججهم وتعريفهم بما قد يلتبس عليهم من حقائق حتى يصلان إلى مصالحة مستقبلية صادقة تضمن التوافق العام والتسامح الشامل.
فما أكثر ما يحمل الواحد منا في داخله من أفكار سلبية عن الفرد أو المجتمع الآخر.
لا لشيء الا لأنه لم يتح لنفسه وللطرف الأخر الحوار معه، أو لأنه صدق وأمان بمفاهيم خاطئة نقلت له دون تمحيص أو لأنه انساق خلف مصالح وايدولوجيات ضيقة، وهنا تتجلى خطورة ذلك ليس فقط على الفرد بل على المجتمع بأكمله.
فمشاعر الفرد والشعوب من حب وكراهية تجاه أطراف أخرى، لا تولد من فراغ بل هي نتاج لسياسات خاطئة واخفاقات متكررة وسوء في التسيير والتدبير والممارسات العشوائية والخطابات المتشنجة، مما يجعلها تسلك أحد الطريقين: أما الطريق الإيجابي البناء والمشترك الذي يقود للتسامح وحب الحياة والإنتاجية الموحدة، وأما الطريق السلبي الذي ينتهي بالكراهية والعداء والانفجار والغل الداخلي.
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة والمجتمع الدولي في الحرص على ترسيخ وتقوية المناهج التربوية الجادة التي تعنى بقيم التسامح والحوار المسوغ بصياغة إيجابية تحصن الناشئة من أفكار الكراهية والعداء السياسي والديني والتربوي.
فما نشهده اليوم في عالمنا المعاصر هو نقوس خطر حقيقي نتيجة تحريف وتشويه معظم هذه المفاهيم والقيم النبيلة من قبل أطراف وأيادي خفية، همها وشغلها الشاغل التفرقة ومنع التصالح والتسامح بين الأطراف، ربما وأكيد هذا راجع فقط لخدمة أهدافها ودوافعها الايدولوجية الضيقة.
وبهذا تشحن النفوس وعقول الناشئة بأفكار الاقصاء والعداء وعدم التسامح، وتزرع فيهم مشاعر الكراهية، وتروج حولهم خطابات المؤامرات والأفكار السيئة والسلبية.
مما يؤدي في النهاية الى ظهور وولادة نفوس مضطربة وعدائية تفيض حقدا وتستبيح الأخرين، وتخلق الصراعات والحروب فيما بينها، مما يطور فيها هرمون حب الذات والأنانية الزائدة دون الاعتبارات الأخرى.
ولهذا فالإفراط في حب الذات والاستغراق في الأنانية والسعي المحموم لإشباع الرغبات الشخصية فقط، هما من بين أخطر ما يضعف روح التسامح ويعكر صفاء القلوب بين الناس، ويؤثر فيهم ويضعف تقدم مجتمعاتهم، مصداقا لقوله تعالى في كتابة الكريم (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) [الإسراء: 73].
أما إذا أعاد الإنسان ضبط طموحاته في الإطار المشروع والمتوازن، وبما لا يخالف القيم التربوية العامة، فإنه أكيد سيبلغ أهدافه دون منغصات أو تأنيب الضمير، محققا بذلك التوازن الذي يطمح إليه الكل.
فأكيد حين يصل الإنسان إلى هذا المستوى من النضج، سيصبح أكثر قدرة على التصالح والتسامح الذاتي ومع الأخر، وبالتالي ستسود الطمأنينة والاستقرار، كما سيعمل على جلب النفع ودفع الضرر على نفسه وعلى غيره.
وحقيقة تذكر أن التسامح ليس ضعفا والمصالحة ليست تنازلا، بل هما أسمي قيم القوة الإنسانية والحضارية والطريق الأقصر والأوحد لبناء الأوطان والمستقبل، ودواء وبلسم لصناعة السلام، وأمل وضمان مستقبل الغد، ذلك المستقبل الذي تأمل إليه الشعوب وتزدهر به، بدل أن تحترق بنيران الكراهية والانقسام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك