بعد أيام، يحلّ شهر رمضان المبارك الذي يرتبط في الذاكرة الجمعية بلمّة العائلة والطقوس الدينية والإجتماعية وصوت المسحراتي وفرح الأطفال بالزينة والفوانيس.
وعلى مرّ العصور، استفاد الأدب العربي من هذه الذكريات عبر استثمار الزمن الرمضاني بكل دلالاته الدينية والسوسيولوجية والانتروبولوجية، وحوّلّه إلى فضاء دلالي في الكتابات الإبداعية سواء في الشعر والنثر والفنون التشكيلية أو حتى الأعمال السينمائية والدرامية.
من" عيون كتب التراث" كمقدمة ابن خلدون إلى أشهر كُتب الأدب العربي الساخر مثل" البخلاء" للجاحظ، وكُتب السيرة الذاتية كـ" الأيام" لطه حسين، حضر رمضان كرمز روحي.
أما في الرواية الحديثة، فجعل نجيب محفوظ حضور رمضان فاعلًا في روايته" خان الخليلي"، وخلفية زمنية وإجتماعية وثقافية في" زقاق المدق" وثلاثيته، بينما تناول توفيق الحكيم في كتاب" فن الأدب" تحوّل الشهر الكريم من عبادة إلى طقس اجتماعي.
كيف ومتى دخل شهر رمضان الأدب العربي؟وبين الروحانية والطقس الإجتماعي، وبين التراث والمعاصرة، ظلّ شهر رمضان حاضرًا في الأدب العربي كرمز ثقافي.
وفي هذا السياق، روت الكاتبة والناقدة المصرية لنا عبد الرحمن أنّ شهر رمضان دخل إلى الأدب العربي في وقت مبكر جدًا ومن عدة أبواب، إذ كان الشعر هو الوسيط الأدبي الأول الذي أظهر شهر رمضان.
وقالت عبدالرحمن في حديث إلى برنامج" ضفاف" الذي يُبثّ على" العربي 2"، إنّ الظهور الأول لشهر رمضان كان في زمن الخليفة عمر بن الخطاب حين بدا أحد الشعراء ذات ليلة بإنشاد الأناشيد الدينية عن الوعظ والزُهد، فراقت للجميع وبدأت كعادة.
وأضافت أنّ شهر رمضان الفضيل ظهر أيضًا في الشعر الاموي مع البحتري، الذي كان يدمج حضور الشهر في قصائده المدحية، ثمّ في العصر العباسي حين بدأت القصائد التي يقولها المسحراتي وانتقلت إلى مصر واستمرت جيلًا بعد جيل وعصرًا بعد عصر.
أما على مستوى السرد والنثر، فبرز شهر رمضان في كتابي" الأغاني" و" البخلاء"، حيث تضمّنا فقرات تصف العادات والطقوس الرمضانية وحديث عن الكنافة والقطائف وما الى ذلك من وصف ما يفعله المسلمون في الشهر الفضيل.
ووفقًا لعبد الرحمن، فانّ حضور شهر رمضان في الأدب هو عمل سردي قصصي روائي، حيث تعدّدت طبقاته السردية والوصفية من الوصف الاجتماعي للطقوس الرمضانية خلال الليل من فوانيس وعادات الصوم، والفضاء النفسي من خلال الحديث عن التوبة والزُهد والخشوع في الصلاة.
واعتبرت أنّ الكتّاب تعمّدوا سرد ما يدور في شهر رمضان في رواياتهم، كحيلة سردية لأسر مخيلة القارىء العربي.
وقدّمت أعمال أدبية شهر رمضان بأسلوب تجاوز الحضور الجمالي لتجعل منه شخصية قائمة بحد ذاتها، كما في راوية" في بيتنا رجل" لإحسان عبد القدوس، الذي استغّل بطلها إبراهيم وقف الإفطار للهروب بعد ارتكابه جريمة قتل سياسية.
وشرحت أنّ إحسان عبد القدوس استند على توظيف شهر رمضان ليكون جزءًا من بطولة روايته، بمعنى أنّ حضور شهر رمضان لم يكن زخرفيًا أو شكليًا فقط للدلالة على الوصف أو الزمن أو الطقوس الإجتماعية بقدر ما كان بطلًا في الحدث بالتوازي مع حضور ابراهيم كبطل فاعل.
ويحضر رمضان كوسيط إبداعي درامي مهم وبشكل يُعبّر عن البيئة سواء في الدراما المصرية التي تنقل أجواء الحارة الشعبية والطقوس والعادات والفوانيس والمسحراتي وموائد الرحمنإ إضافة إلى السلوك الأخلاقي للناس والتذكير بشهر رمضان.
وفي هذا الإطار، استحضرت عبد الرحمن مسلسل" رمضان كريم" المصري، و" باب الحارة" السوري، و" شارع الإعشا"، وكلها أعمال سلّطت الضوء على الاحتفاء بشهر رمضان في الحارات الشعبية والسلوك الأخلاقي والتحوّلات داخل المجتمع.
هل تغيّر رمضان بين الماضي والحاضر؟في الماضي، ارتبط رمضان بلمّة العائلة، إلا أنّه تحوّل اليوم إلى تجربة فردية يعيشها الشخص داخل عالمه الخاص أو حتى هاتفه.
وفي هذا الإطار، تقرّ عبد الرحمن بأنّ التحوّلات المجتمعية الحالية بسبب الثورة التكنولوجية طالت العلاقات الإنسانية، وبالتالي فانّ تأثيرها على عادات رمضان هي تحصيل حاصل، لكنّها تؤكد أنّ العلاقة المتّصلة باللمّة الاجتماعية وشهر رمضان لا يُمكن إغفالها حتى في ظل هذه التطوّرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك