افتتح في النادي الثقافي العربي بالشارقة، مساء أمس الأول، معرض تشكيلي للفنانة التونسية دلال الصماري بعنوان" البين"، قدمت فيه 25 عملاً فنياً عبارة عن قطع من الصوف الملبّد بأشكال وأحجام متعددة، والملون برموز وأشكال تعبيرية مستلهمة من التراث الثقافي للمجتمع التونسي.
ودلال الصماري، هي دكتورة في الفنون التشكيلية وأستاذة جامعية وباحثة وناقدة فنية لها دراسات ومقالات كثيرة منشورة في عدد من المجلات والمواقع الثقافية العربية، وشاركت كفنانة تشكيلية في كثير من المعرض، وقدمت ثلاثة معارض فردية وهذا هو رابعها.
أعمال فنية تعبر عن ضعف الكائن الإنساني المعاصر وهشاشته.
وأرادت دلال الصماري عبر معرض" البين"، أن تقدم أعمالاً فنية تعبر عن ضعف الكائن الإنساني المعاصر وهشاشته، وكيف أن حياته هي برزخ بين فرح وحزن، وأمل وقنوط، ويسر وعسر، ويقين وشك، فهو يعيش" بين بين" في كل تفاصيل حياته، ولكي تصور هذا الوضع بحثت عن خامة تستجيب تماماً، لأنها تعتبر أن الفكرة الجيدة إذا لم تجد خامة فنية مناسبة لها، قادرة على تمثيلها لن تكون لها قيمة، وكذلك العكس، فإذا لم تجد الخامة الجيدة فكرة جيدة لن تكون لها قيمة، ولذلك فقد وجدت في الصوف بهشاشته وقابليته للتشكل في مختلف الأشكال خامة مناسبة لفكرة" البينية"، وهي كما تقول ابنة بيئة مجتمع خبر أهله نسج الصوف، وأمها كانت نسّاجة من درجة أولى، فدفعها كل ذلك إلى اختيار هذه الخامة، ومن أجل ذلك انخرطت في دورات تدريبية على كيفية" تلبيد الصوف" لكي تستطيع أن تشكل منه الأشكال الفنية التي تريدها.
وأوضح الخطاط خليفة الشيمي مسؤول الأنشطة الفنية في النادي، أن استضافة معرض الفنانة دلال الصماري، يأتي في إطار انفتاح النادي على مختلف التجارب العربية المعاصرة، وخصوصاً تلك التجارب التي تقدم تجارب فنية جديدة ومسكونة بالبحث عن أفق إبداعي فريد، وأضاف أن التجربة التي تقدمها الصماري طموحة ومتفردة.
كيفية صنع الأشكال والرموز والخطوط بالصوف الملون.
وعن كيفية إعداد العمل وتلبيد الصوف، أشارت الصماري، إلى أنها كانت تختار الصوف باللون الذي تريده للخلفية ثم ترشه بالماء والصابون وتضغطه ليعطي الشكل المعين للعمل، ثم تضع فوقها قطع الصوف الأخرى بالألوان التي تريدها والأشكال التي تعبر عن ما تريده، وترشه من جديد كي يلتصق بالخلفية ويتماسك معها، وهكذا تصنع الأشكال والرموز والخطوط التي تريدها بالصوف الملون.
وتستلهم الصماري، أشكالها وألوانها من رموز وأشكال الثقافة الشعبية التونسية التي تعود إلى امتزاج أمم وشعوب تعاقبت على أرض تونس على مر العصور وتركت آثاراً وتقاليد من ثقافتها، مثل الفينيقية والأمازيغية والعربية، وقد تكررت كثيراً في أعمال المعرض، أشكال الدوائر والخطوط الطولية والأسهم والصور التعبيرية للإنسان، ويمكن قراءتها بدلالة المعرض على الوجود بين الانفتاح والانغلاق، وضبابية حياة الإنسان.
وعن الرؤية الموجهة للمعرض، توضح دلال الصماري قائلة: في زمن تتآكل فيه المعاني الكبرى، وتفقد المرجعيات ثباتها، تجد الذات المعاصرة نفسها معلقة في حالة دائمة من الارتباك الوجودي، بين العرضي والجوهري، بين ما يطفو على سطح الواقع، وما يسكن أعماقه، بين حضور مثقل بالتحول ورغبة خفية في الإمساك بالمعنى، وهذه التجربة الفنية التي أقدمها هنا، لا تتعامل مع الذات بوصفها كياناً مكتملاً، بل كحالة قيد التشكل، ومسار مفتوح على الشك، والبحث وإعادة التموضع داخل عالم بلا يقين.
اشتغال ينبثق من علاقة عضوية بالمادة.
وتابعت الصماري، أن هذا الاشتغال ينبثق من علاقة عضوية بالمادة، لا بوصفها وسيلة تنفيذ بل بوصفها فكراً متجسداً، فالصوف بما يحمله من هشاشة وشفافة وقابلية للتحول، يستدعي هنا كجسد رمزي، وذاكرة ملموسة تتقاطع فيها الحرفة الزمن والفعل الإنساني، إنه مادة لا تخضع الشكل بل تفاوضه، وتفرض إيقاعها الخاص، لتصبح شاهداً على علاقة الكائن بالمادة، وعلى حدود السيطرة والترك، والبناء والانفلات، وتتشكل الأعمال عبر محامل غير مستقرة، بيضوية مربعات مختلة دوائر ممتدة في اتجاهات متعارضة مستطيلات محورة وتركيبات هندسية تحتضن أشكالاً تشخيصية بلا ملامح، هذا الاختلال البنيوي لا يهدف إلى كسر التوازن البصري فحسب، بل إلى مساءلة فكرة الاستقرار ذاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك