لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة مجرد حدث مناخي عابر في إقليم شفشاون، بل كانت اختبارًا قاسيًا لقدرة منطقة جبلية هشّة على الصمود، واختبارًا أشد قسوة لمدى حضور العدالة المجالية في السياسات العمومية.
ففي الوقت الذي أُعلنت فيه بعض الأقاليم السهلية مناطق منكوبة، مثل العرائش وسيدي قاسم، ظلت الأقاليم الجبلية (شفشاون نموذجا) خارج دائرة الاعتراف الرسمي بحجم الأضرار، رغم أنه كان من أكثر الأقاليم تضررًا.
في القرى الجبلية المعلقة على السفوح، انهارت منازل مداشر بأكملها، في تنقوب -أغبالو- وفي بني رزين ومثيوة وباب برد… هذه المناطق التي كانت أصلًا تعاني هشاشة البنية، تقطعت بها الطرق التي تمثل شرايين الحياة الوحيدة نحو المراكز الحضرية، وعم الظلام بعد انقطاع التيار الكهربائي لأيام طوال وما خلفه من خسائر في الأجهزة الإلكترونية( الثلاجات وغيرها).
انجرفت أراضٍ فلاحية هي مصدر العيش الأساسي للأسر، ونفقت مواشٍ كانت تمثل رأس مال الفلاح البسيط، بينما ضاعت محاصيل موسم كامل في لحظات.
لم يكن المشهد مجرد خسائر مادية؛ بل كان زلزالًا اجتماعيًا دفع بعض الأسر إلى هجرة قسرية بحثًا عن مأوى وأفق جديد.
خصوصية شفشاون الجغرافية، باعتبارها إقليمًا جبليًا، تجعلها أكثر عرضة لآثار الكوارث الطبيعية، لكنها في الوقت نفسه تجعل خسائرها أقل ظهورًا في الحسابات الاقتصادية المركزية.
فالمناطق السهلية المنتجة تُقاس خسائرها بلغة الأرقام والمؤشرات، بينما تُختزل معاناة المناطق الجبلية في هامش التقارير.
وهنا يتجلى الخلل العميق في مفهوم التنمية، حين تصبح القيمة الاقتصادية معيارًا غير معلن لتوزيع التضامن والتعويض.
إن استثناء شفشاون من لائحة المناطق المنكوبة لا يعني فقط حرمانها من تعويضات مالية؛ بل يكرس شعورًا متراكمًا بالتهميش لدى ساكنتها.
شعور بأن الجغرافيا قد تحولت إلى قدر مزدوج: قسوة الطبيعة من جهة، وبرودة القرارات الإدارية من جهة أخرى.
وفي غياب عدالة مجالية حقيقية، تبقى هذه المناطق عالقة في دائرة الهشاشة، تتلقى الضربات نفسها في كل موسم مطير، دون أن تحظى بإستراتيجية وقائية أو دعم إنقاذي متكافئ.
ما حدث في شفشاون ليس حادثًا معزولًا، بل هو مرآة لسؤال وطني أكبر: كيف يمكن لدولة تسعى إلى تنمية متوازنة أن تترك مناطق كاملة تواجه مصيرها وحدها؟إن إعادة الاعتبار للمجالات الجبلية تقتضي الاعتراف أولًا بخصوصيتها وهشاشتها، ثم بناء سياسات تعويض وإنقاذ لا تميز بين سهل وجبل، بل تنطلق من مبدأ بسيط؛ أن كرامة المواطن لا تُقاس بجدوى أرضه الاقتصادية، بل بحقه المتساوي في الحماية والرعاية.
الذي زاد الوضع حسرة، هو عدم اهتمام ممثلوا الساكنة بقبة البرلمان، بما حل بمناطقهم؛ بل عارض البعض منهم – بوعزة- فكرة إعلان الاقليم منطقة منكوبة، خوفا على تضرر القطاع السياحي حسب تصريحه، علما أن مركز الاقليم وحده من يستفيد اقتصاديا من هذا القطاع الهش، بينما لا علاقة للجماعة التي يمثلها – بني سميح- أية علاقة بالسياحة.
بينما حاول آخرون تدارك الوضع والظهور في آخر اللحظات بإسهال من الأسئلة الكتابية حول عدم إدراج الاقليم ضمن المناطق المنكوبة.
في أمثلتنا الشعبية عادة ما نقول: “صباح الخير كتكون فالصباح” و “الدجاج دالسوق كيتربط فالليل” وعليه فإن سياسيوا الإقليم أخلفوا موعدهم مع الساكنة والتاريخ خلال هذه الكارثة الطبيعية، بعدم نزولهم للميدان أولا، وبعدم الترافع عنه ثانيا، وهو حال معظم من يحسبون أنفسهم مؤثرون وفاعلون اجتماعيون داخل الإقليم.
كما يطرح السؤال أيضا حول طبيعة التقارير الرسمية التي رُفعت للحكومة من طرف رجال السلطة بالإقليم وعلى رأسهم السيد زكرياء حشلاف….
في النهاية، حين تقسو الطبيعة، يفترض أن تكون الدولة هي السند الأخير.
أما أن تجتمع القسوتان على إقليم واحد، فذلك ما يحول الكارثة الطبيعية إلى جرحٍ مفتوح في ذاكرة المكان وسكانه….
ليبقى هل إقصاء شفشاون؛ تأخر ناتج عن عدم انتهاء إحصاء الخسائر؟ أم إقصاء في إطار إزدواجية المغرب النافع وغير النافع؟* أستاذ التاريخ والجغرافيا/ الجبهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك