نشر معهد رويترز لدراسة الصحافة تقريرا جديدا يتناول التحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئة العمل الصحفي الحر حول العالم، مسلطا الضوء على مفارقة باتت تفرض نفسها داخل غرف الأخبار بين تسريع الإنتاج، وانتشار ممارسات مضللة، وتآكل الثقة بين المحررين والكتّاب.
وأشار التقرير إلى أن عام 2025 شهد ظهور حالات لصحفيين وهميين نُشرت بأسمائهم مقالات في مؤسسات إعلامية كبرى، قبل أن يتبين لاحقا أن هذه المواد كُتبت باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي، وأن الأسماء المستخدمة لا تعود إلى أشخاص حقيقيين.
واعتبر التقرير أن هذه الوقائع، رغم محدوديتها، كشفت هشاشة منظومة العمل الحر التي تقوم في جوهرها على الثقة المتبادلة بين الصحفي والمحرر.
وسلط التقرير الضوء على تساؤلات متزايدة داخل غرف الأخبار بشأن قدرة المحررين على التمييز بين الصحفي الحقيقي والهويات المصطنعة، في ظل سهولة توليد النصوص والصور، وتأثير ذلك على مستقبل العمل الصحفي الحر.
وأوضح التقرير أن فريقه أجرى استطلاعا مفتوحا شمل 45 صحفيا مستقلا ومحررا من دول مختلفة، وجاءت نتائجه أكثر تنوعا مما كان متوقعا.
ففي حين عبّر بعض المشاركين عن مخاوف جدية من تداعيات الذكاء الاصطناعي، رأى آخرون أنه أسهم في تحسين تنظيم العمل وتسريع الإنجاز اليومي.
وبيّن التقرير أن استخدام الذكاء الاصطناعي بات شائعا في مهام مثل البحث الأولي، والتخطيط، وتفريغ المقابلات، والترجمة، والتدقيق اللغوي، وهي مجالات وصفها مشاركون بأنها ساعدتهم على تقليص الوقت بين قصة وأخرى، وإتاحة مساحة أكبر للتركيز على التحليل والحكم التحريري بدل الانشغال بالمهام الروتينية.
في المقابل، لفت التقرير إلى أن هذه الزيادة في السرعة انعكست على توقعات المؤسسات الإعلامية، حيث بات يُطلب من الصحفيين إنجاز موادهم في وقت أقصر، وأحيانا مقابل أجر أقل، على افتراض أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يقلص الجهد المبذول.
ووصف بعض الصحفيين هذا التوجه بأنه انتقاص من قيمة العمل الصحفي، وخلط بين الأدوار التقنية والعمل التحريري القائم على التحليل والتدقيق.
وأكد التقرير أن التحقق أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل ما قد تحمله مخرجات الذكاء الاصطناعي من أخطاء أو معلومات غير دقيقة.
وأشار إلى أن الوقت الذي يتم توفيره خلال مراحل الإنتاج قد يُستنزف لاحقا في مراجعة المحتوى والتأكد من صحته.
وسلط التقرير الضوء أيضا على التحديات التي تواجه محرري التكليف، مع تزايد تدفق عروض وقصص مكتوبة آليا تبدو متماسكة لغويا، لكنها تفتقر إلى مصادر موثوقة أو وجود صحفي حقيقي خلفها.
وأوضح أن بعض المؤسسات بدأت بتشديد إجراءات التحقق، من خلال طلب مسودات مشروحة أو الاطلاع على سجل التعديلات في مستندات الكتابة، للتأكد من أن النص كُتب فعليا بواسطة صاحبه.
وأشار التقرير إلى أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، قد تعيق دخول الصحفيين الجدد إلى المهنة، في وقت يتزايد فيه تشكك المحررين تجاه العروض المقدمة من أسماء غير معروفة.
وفي ما يتعلق بسؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الصحفيين، نقل التقرير آراء متباينة.
فبينما يرى بعض الصحفيين والرسامين والمصورين أن الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر فعليا على فرص العمل، يؤكد آخرون أنه أداة مساعدة لا يمكنها تعويض الحكم التحريري، والالتزام الأخلاقي، والتحقق، وهي عناصر لا تزال مرتبطة بالدور البشري.
وأشار التقرير إلى نتائج مسح أجراه المعهد في المملكة المتحدة، أظهر أن نسبة كبيرة من الصحفيين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدا للمهنة، في حين يرى 45% منهم أنه يمثل فرصة جزئية إذا استُخدم ضمن ضوابط واضحة.
وختم التقرير بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي، رغم تأثيره المتسارع، لم يُلغ دور الصحفي، بل أعاد رسم حدوده.
فالقيمة الجوهرية للعمل الصحفي باتت تتمثل في الإشراف البشري، والتحقق، واتخاذ القرار التحريري، وهي مهام يتوقع كثير من الصحفيين أن تزداد أهمية في المرحلة المقبلة، لا أن تتراجع، في عصر النصوص المولدة آليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك