يتناول الناقد محمد جبير في كتابه الأخير بعنوان « الصدمة السردية ـ متوالية التحول من السكون الى الحركة ـ الجزء الأول السرديات البريطانية»، ما أُطلق عليه غالباً، تجربة الريادة القصصية والروائية في العراق والبلاد العربية، وتعني نشأة القصة والرواية، بوصفهما فناً جديداً، رافق وفق منتظم مظاهر وأحوال واستقبال المتغيرات الجيوغرافية والتحديثية والمدنية في العصر الحديث، وإذا كانت الدراسات والبحوث السابقة في هذا الخصوص، قد ركزت في العموم على إبراز الجانب التوثيقي وانطلاقة هذا الفن الجديد لكتاّب رواد، جرى تثبيت أسمائهم وتاريخ كتاباتهم في نهايات القرن التاسع عشر، أو مطلع القرن العشرين، فضلاً عن قراءة أهم المميزات الفنية لنصوصهم، فإن الناقد جبير، وعلى الرغم من استناده المنهجي الأساس إلى ذلك، لكنه يعيد قراءة مفهوم الريادة في ضوء التشكيل الاجتماعي لأدب القصة والرواية، متخطياً الثوابت المنهجية التي تحدد الوقت، أو البدايات الأولى وعابراً فكرة الأسس، التي أقامها الرواد والأدوار العليا الشاقولية التي تبنيها الأجيال اللاحقة فوقها.
يحدد الناقد محمد جبير في كتابه الصادر عن «اسكرايب» للنشر والتوزيع ـ القاهرة 2025، إطاراً إجرائياً في قراءة وتعيين تجربة الريادة القصصية والروائية، من خلال الوقائع الكبرى في التشكيل الاجتماعي العربي والعراقي على وجه يخص البحث في متغيرات سياسية مثل حدث 1905 الروسي و1906 الإيراني و1908 التركي وقياس تلك الوقائع وما بعدها في متواليتي تغّير، أو تحّول بين ساكن ومتحرك، لا يقفان عند نقطة شروع معينة، لتغدو معهما الريادة نقطة بحث متواصلة على مدى عقود متلاحقة من الزمن، تجري فيها أحداث عامة وتنعكس تأثيراتها على المستوى الثقافي، في ما تأتي في إثرها وقائع جديدة لتضيف انعكاسات أخرى وتنقل نقطة البحث الريادية إلى مستوى جديد من الشروع نفسه، ونقطة البحث تلك قد يبدأ بها الروائي محمود أحمد السيد في الثلاثينيات من القرن الماضي، ليستعيدها الروائي فؤاد التكرلي في الخمسينيات على نحو آخر، يبدو تكرارياً أو انتقالياً، يكشف عن ظرفية نشأة الفن واعتلاله بين المكتسب الواقعي والمنتج الفني، وكلما نما المكتسب النوعي في ضوء المتغيرات المتلاحقة، احتاج المنتج الى استعادات بنيوية قد تعصف به بين الواقع الخارجي وعدم تكامل النص معه، وبذلك ستكون المتوالية متكررة وفي شروع مستمر، مفتوحة على المزيد من التوقعات النسبية بين الواقع والنص.
وفقاً لذلك، قسم الكاتب نقاط شروعه في البحث عن الريادة التي تتشكل في الفضاء الاجتماعي للأدب، بما سماه السرديات العثمانية التي تبدأ مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتختزن قروناً أربعة من الهيمنة العثمانية، فيما تنطلق السرديات البريطانية في عام 1920، ومرد تعيين هذا التاريخ تكريس ردود الفعل المقاومة والمتمردة على الاحتلال الإنكليزي، وقد خُصص هذا الكتاب لتناول السرديات البريطانية في ردود الأفعال التحررية، لدى محمود أحمد السيد، والتنويرية الإيقاظية لدى سليمان فيضي، والتسلسل الثالث سردية الاستقلال 1958ـ 2003 أما السرديات الأمريكية فهي قائمة حتى هذه اللحظة منذ عام 2003.
ويُلاحظ أن سردية الاستقلال الثالثة جاءت بما يقتضيه تسلسل البناء الزمني للوقائع ومحتواه السياسي في الفضاء الاجتماعي، وليس انعكاسه الثقافي والفني على وجه التحديد، لأن هذه السردية نفسها في مستواها الفني المنعكس، لا تخلو من سرديات مضمرة أوروبية وسوفييتية وافدة، ولها دور كولونيالي لا يقل عن سواه في مختبر العلاقة بين النص والوقائع، وليس مآل هذه السردية أن تكون مستقلة، أو بديلة لسرديات الصدمة الأخرى، بل هي نقطة شروع مضافة في البحث عن الاستقلال والهوية الثقافية الأدبية.
والواقع أن سردية الاستقلال بوصفها محتوى فنياً، يترتب أثر واقعة سياسية وليس أثر الواقع السياسي المحض، كما ينم عن ذلك تسلسلها حسب بناء الزمن، أي أن لحظة الريادة الجديدة لم تشكل موقفاً فنياً وجمالياً بعد، أو تنشئ قطبها السردي المستقل، ونأمل من الناقد جبير أن يولي أهمية الفصل بين المحتويين في الأجزاء المقبلة من الكتاب، وإذا كانت ردود الفعل التحررية لدى السيد والتنويرية الإيقاظية لدى فيضي مثلاً، كما يسعى الناقد محمد جبير إلى القول، محمولة بدلالة فنية وجمالية وليس سياسية فإن اختيارهما (السيد وفيضي) للبدائل الماركسية وعصر الأنوار، هي من قبيل استخدام الضد النوعي في الخطاب الغربي الكولونيالي نفسه، الذي ستتسلل حتماً من خلاله سرديات أخرى، كان مهماً إيجادها وذكرها وتحليلها، ومن ثم سنعيد تعيين نقطة الشروع في البحث عن الريادة وتحقق الاستقلال الفني والثقافي بعد السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك