فتح برنامج" أيام الله" على قناة الجزيرة مباشر ملفا شائكا يتصدر النقاشات الأسرية والفكرية في العالم العربي: كيف نحمي أبناءنا من الوقوع في الإلحاد؟ وكيف نصنع اليقين في عصر الانفجار الرقمي والحيرة الفكرية؟الحلقة استضافت الداعية الإسلامي شمائل الندوي، الذي اعتبر أن الظاهرة ليست حالات فردية معزولة، بل نتاج حملات منظمة تستهدف زعزعة الإيمان في المجتمعات الإسلامية، مستفيدة من ثورة المعلومات ومنصات التواصل التي تختزل القضايا الكبرى في مقاطع قصيرة تثير الشبهات دون أن تمنح مساحة للإجابات المتعمقة.
الندوي فرّق بوضوح بين العلم التجريبي بوصفه أداة لفهم" كيف يعمل العالم"، وبين ما سماه" العلموية" التي تدعي أن المختبر هو الطريق الوحيد للمعرفة.
وأكد أن الخلط بين تفسير الظواهر المادية ونفي وجود الخالق يمثل -بحسب رأيه- قفزة غير منطقية، مشيرا إلى أن اكتشاف القوانين لا ينفي وجود المقنن.
كما شدد على أن النظريات العلمية قابلة للتبدل، مستحضرا التحول في فهم نشأة الكون بعد تبني نظرية" الانفجار العظيم"، معتبرا أن تغير النظريات لا ينبغي أن يربك المؤمنين أو يدفعهم إلى" الهزيمة النفسية".
واحدة من أبرز محاور الحلقة تمثلت في التفريق بين" الوساوس" و" الشك الجازم" و" التساؤل الاستكشافي".
الداعية شمائل الندوي أوضح أن الخواطر العارضة التي يكرهها الإنسان ليست دليلا على الإلحاد، بل قد تكون -وفق الموروث الديني- علامة على وجود أصل الإيمان.
أما التساؤلات التي تصدر عن شاب يؤمن بأصل العقيدة لكنه يبحث عن الفهم أو الحكمة، فهي -برأيه- جزء طبيعي من رحلة التعلم، مستشهدا بقصة سؤال النبي إبراهيم عليه السلام طلبا لطمأنينة القلب.
وفي هذا السياق، دعا إلى احتواء الأبناء بدلا من قمعهم، محذرا من أن الترهيب قد يصنع ملحدا في الخفاء، وأن الإنصات والحوار الهادئ يمثلان خط الدفاع الأول داخل الأسرة.
الحلقة تناولت أيضا سؤال الشر والمعاناة، خاصة في ظل مشاهد الحروب والظلم التي يتابعها الشباب يوميا.
الندوي رأى أن الإشكال ينطلق من افتراضين:
تجاهل مفهوم الدنيا باعتبارها دار ابتلاء لا دار جزاء.
وأكد أن وجود الألم مرتبط -في التصور الديني- بحرية الإرادة وبامتحان الإنسان، مع وعد إلهي بالعدل الكامل يوم القيامة.
وفي معرض رده، أشار إلى أن أنظمة سياسية غير دينية في التاريخ الحديث ارتبطت أيضا بحروب وجرائم واسعة، في محاولة لإبراز أن العنف لا يرتبط حصرا بالدين.
عند سؤال الحرية، شدد الضيف على أن مفهوم الحرية المطلقة غير موجود في أي منظومة، سواء دينية أو ليبرالية، معتبرا أن الخلاف الحقيقي يدور حول مصدر القيد: هل هو تشريع إلهي أم قانون وضعي؟وذهب إلى أن الأخلاق، من منظور إلحادي، تصبح نسبية ومتغيرة لغياب مرجعية عليا ثابتة، بينما يمنح الإيمان -بحسب رأيه- أساسا مستقرا للمعايير الأخلاقية.
الجزء التفاعلي من الحلقة شهد أسئلة من مشاهدين حول كيفية التعامل مع رسائل التشكيك التي يبثها بعض المرتدين عن الإسلام عبر وسائل التواصل، وكيفية استعادة ثقة الشباب بالله في ظل المعاناة.
الندوي اعتبر أن إعادة الثقة تبدأ بتصحيح مفهوم الحياة الدنيا، وبربط الألم بالمعنى الأخروي، كما دعا إلى تعزيز التعليم الديني المعاصر القادر على مخاطبة العقل بلغة العصر.
وأشار إلى تأسيسه مؤسسات تعليمية في الهند والولايات المتحدة تهدف -كما قال- إلى تقديم العلوم الحديثة ضمن رؤية إسلامية متكاملة.
كما أكد أن شهر رمضان يمثل فرصة ذهبية لتعزيز الإيمان، نظرا لأجواء العبادة والإقبال على القرآن، داعيا الأسر إلى استثمار هذه الأجواء في بناء علاقة وجدانية وعقلانية متوازنة مع الأبناء.
في ختام الحلقة، خلص الضيف إلى أن المسؤولية مشتركة؛ فالإلحاد قد ينشأ عن ضعف في التربية الدينية، أو عن انفتاح رقمي غير منضبط، أو عن ضغوط نفسية وتربوية تدفع بعض الشباب إلى ربط الدين بالقمع أو الإكراه.
وأكد أن الإيمان -كما قال- لا يزدهر في بيئة الخوف، بل في بيئة الحرية المسؤولة.
الحلقة اختتمت بالإعلان عن استمرار البرنامج يوميا خلال شهر رمضان في الرابعة عصرا بتوقيت مكة المكرمة، مجددا التأكيد على أن حماية القلوب والعقول باتت -في زمن التحولات الرقمية- مسؤولية جماعية تبدأ من البيت ولا تنتهي عند حدود الشاشة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك