في الوقت الذي تشهد فيه ملفات تسوية أوضاع المهاجرين دينامية متسارعة داخل إسبانيا، تتصاعد تساؤلات داخل أوساط الجالية المغربية حول الدور الحقيقي الذي يلعبه المجتمع المدني المفترض أنه يمثلها.
فبينما يفترض أن تكون الجمعيات جسرا بين المهاجر والإدارة، يكشف الواقع عن فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والأداء الفعلي، إلا من رحم الله.
تعد الجالية المغربية من الأكبر عددا بين الجاليات الأجنبية، غير أن هذا الثقل الديمغرافي لا يقابله حضور تنظيمي مماثل، خاصة بجهة كتالونيا.
فعند اللحظات الحاسمة، مثل هذه الفترة الاستثنائية المتعلقة بالتسوية الجماعية القانونية، يجد عدد كبير من المهاجرين أنفسهم دون تأطير جماعي منظم، ما يضطرهم إلى الاعتماد على اجتهاداتهم الفردية أو على مصادر معلومات غير موثوقة، خصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ويؤكد متابعون للشأن الجمعوي أن جزءا من الإشكال لا يرتبط بغياب الجمعيات، بل بطبيعة نشاطها.
فالكثير منها حاضر في المناسبات والاحتفالات والأنشطة الثقافية، لكنه يغيب عندما يتعلق الأمر بخدمات مباشرة لفائدة المهاجر، من قبيل شرح مساطر التسوية الجماعية الحالية، والتنسيق مع الإدارات المعنية، سواء القنصليات أو مؤسسات الدولة المضيفة، ومراجعة الملفات أو تقديم التوجيه القانوني.
نظريا، يفترض أن يلعب المجتمع المدني دور الوسيط بين الجالية ومؤسسات بلدها الأم، أي المغرب، خاصة في الملفات التي تتطلب وثائق رسمية أو إجراءات قنصلية.
غير أن الواقع يكشف، حسب شكاوى متكررة، عن ضعف التنسيق مع القنصليات، وغياب قنوات تواصل منتظمة، وانعدام مبادرات مشتركة منظمة، خصوصا في هذه الظرفية الحساسة.
ويجعل هذا الوضع العلاقة بين المهاجر والمؤسسات علاقة فردية مشتتة بدل أن تكون مؤطرة جماعيا، ما يزيد من تعقيد المساطر ويضاعف احتمال الوقوع في الأخطاء.
ويرى متابعون أن الخلل لا يمكن تفسيره فقط بنقص التمويل أو الموارد، إذ أظهرت تجارب جاليات أخرى أن التنظيم الفعال ممكن حتى بإمكانات محدودة.
ويكمن الفرق، حسب هؤلاء، في عناصر أخرى، أبرزها غياب التخصص داخل بعض الجمعيات، وضعف التخطيط والبرمجة، وتشتت المبادرات، وغياب التنسيق في إطار فدرالي.
وبذلك يتحول العمل الجمعوي من فعل مؤسساتي منظم إلى جهود متفرقة لا تحقق أثرا تراكميا.
ولا تبقى النتائج العملية لهذا الوضع نظرية، بل تظهر مباشرة على أرض الواقع، من خلال:
ازدحام واكتظاظ غير مبرر أمام الإدارات.
لجوء بعض المهاجرين إلى وسطاء غير قانونيين.
أي أن ثمن القصور لا تدفعه الجمعيات، بل يدفعه المهاجر الذي كان يفترض أن توجد هذه الهيئات أساسا لخدمته إلى جانب الإدارة.
ولا يعني هذا المشهد أن جميع الجمعيات بلا أثر، فهناك مبادرات جادة تقدم خدمات حقيقية للجالية.
غير أن هذه النماذج تظل محدودة، بينما يغلب على المشهد العام طابع النشاط المناسباتي أكثر من العمل السنوي المنظم.
في الأخير، المجتمع المدني ليس زينة اجتماعية ولا لقبا شرفيا، بل وظيفة تقوم على خدمة الناس والدفاع عن مصالحهم.
والجمعية التي لا تؤطر ولا ترافع ولا ترافق، تفقد تدريجيا مبرر وجودها، مهما كان اسمها أو تاريخها.
اليوم، ومع تعقد ملفات الهجرة والاندماج، وتصاعد خطاب الكراهية، وتزايد التحديات، لم يعد مقبولا أن تبقى بعض الإطارات في موقع المتفرج.
فالجالية لا تحتاج واجهات تمثيلية، بل تحتاج مؤسسات وجمعيات مدنية فعالة قادرة على تحويل الشعارات إلى خدمات، والكلام إلى نتائج.
فالتمثيل الحقيقي لا يقاس بما يقال، بل بما يتحقق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك