الجزيرة نت - تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر الجزيرة نت - بين "الغبقة" وأهازيج "القرنقعوه": كيف تحافظ قطر على طقوسها الرمضانية؟ قناه الحدث - الأمن الروسي: إحباط هجوم إرهابي على قاعدة جوية عسكرية في كراسنودار القدس العربي - بعد عرض مشهد “تحرش بمريضة”.. نقابة للأطباء في الجزائر تحتج بقوة على مضمون مسلسل “المهاجر” التلفزيون العربي - نتنياهو يكشف معالم محوره الجديد.. ماذا قصد بعبارة "من الهند إلى كوش"؟ الجزيرة نت - إدارة ترمب تقاضي جامعة كاليفورنيا بتهمة "معاداة السامية" روسيا اليوم - هجمات متفرقة تستهدف مواقع تابعة للحكومة السورية في مناطق مختلفة يني شفق العربية - مصرع 30 شخصا جراء سيول ضربت ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل روسيا اليوم - قوات كييف تجهز مقاطعة أوديسا للدفاع الشامل العربية نت - قبل إطلاق S26 بساعات .. Galaxy S25 Ultra يتفوق على سلفه في المبيعات
عامة

مقهى "الشُعبي"... كوب شاي يُسكب ببركة القلوب

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 أسبوع

يمر طريق الحي القديم الممتد بين" الباب الكبير" و" سوق العلوي" في مدينة تعز القديمة إلى مقهى" الشُعبي" عبر أزقة حجرية لحيّ" السمسرة". تبدو تجربة الشاي امتداداً طبيعياً لروح المكان نفسه الذي يعود بالزائ...

ملخص مرصد
مقهى الشُعبي في مدينة تعز اليمنية يمثل رمزاً للهوية والتراث، حيث يقدم الشاي الأحمر التقليدي بطريقة عريقة منذ أكثر من نصف قرن. يحافظ المقهى على طابعه الأصلي رغم الحرب والتغيرات، ويشكل ملتقى اجتماعياً يناقش فيه الزبائن شؤون المدينة والبلاد بجو من الهدوء والمحبة.
  • يقدم المقهى الشاي الأحمر التقليدي باستخدام الدافور النحاسي والقلاصات الزجاجية منذ السبعينيات
  • يشكل مركزاً اجتماعياً يناقش فيه الزبائن شؤون المدينة والبلاد بجو من الهدوء والمحبة
  • ظل مفتوحاً خلال الحرب كملاذ نفسي للسكان رغم القصف والتغيرات
من: مقهى الشُعبي في تعز اليمنية أين: مدينة تعز القديمة، اليمن متى: منذ تأسيسه في السبعينيات وحتى الآن

يمر طريق الحي القديم الممتد بين" الباب الكبير" و" سوق العلوي" في مدينة تعز القديمة إلى مقهى" الشُعبي" عبر أزقة حجرية لحيّ" السمسرة".

تبدو تجربة الشاي امتداداً طبيعياً لروح المكان نفسه الذي يعود بالزائر عقوداً إلى الوراء حيث الهوية اليمنية الخالصة فتتشبّع عيناه بجمال الأزياء التقليدية وبريق الفضة والنحاس، وتستقبله بائعات" المشاقر" والخبز البلدي، بينما تتسلل إلى أعماقه روائح البهارات و" الوزف".

لا يهدأ المكان من الزحمة.

يعج بحرفيين وباعة توابل وذهب وخردوات، وتتداخل فيه أصوات اللحامين وبائعي" الوزف" مع حركة المحلات الصغيرة، وأيضاً دعوات شيخ قروي وأمنيات عامل بناء يبحث عن رزقه بعبارة: " يا فتّاح يا كريم"، مع النداءات الصاخبة لعمال المقهى: " واحد شاي".

وفي الخلف تعزف" القلاصات" الزجاجية سيمفونيتها الخاصة فوق" الدافور"، حيث يغلي الإبريق الكبير بالشاي الأحمر مع رائحة حب الهال والقرنفل البلدي التي تملأ المكان.

ولا يزال" الدافور" على حاله منذ عقود، كأنه يأبى أن يشيخ أو يُحال إلى التقاعد، بجسده النحاسي وأعمدته الثلاث التي تحمل الأباريق وتؤطر شعلة النار، وتمنح المقهى نكهة تقليدية محببة لدى كل من ضاقوا بثورة التكنولوجيا التي لا تشبه الإنسان ابن هذه الأرض.

على كراسٍ قديمة تُطلى كل بضعة أعوام كي لا يفتك بها الصدأ، يزدحم الزبائن في مشهد يستعصي تحديد تاريخه، فيما يفترش غالبيتهم الأرض على امتداد ساحة الزقاق.

وداخل الحانوت، يقف صانع الشاي المعروف بـ" المعلم".

يسكب الماء في أباريق نحاسية ضخمة، ويُضيف إليها مقادير مضبوطة من السكر والشاي والهال والقرنفل.

وحين يبلغ الغليان ذروته يرفع الإبريق عالياً، ويسكب الشاي ببراعة داخل" قلاصات" زجاجية هي في الأصل أوعية لحفظ المربى معروفة محلياً باسم" جام" التي تمنح الشاي نكهةً بصرية لافتة.

وتتالى على المقهى وجوه مختلفة، لكنه احتفظ بنبض واحد لصوت الشاي وهو يُسكب عبر فتحة ضيقة تصنع رغوة خفيفة، ورائحة اختلاط" الدافور" ببخار الشاي، والضحكات القصيرة التي تسبق النقاشات الطويلة.

هنا تتكوّن العلاقات، وتُحسم الخلافات الصغيرة، وتُناقش شؤون المدينة وقضايا البلد السياسية بجدية خفيفة لا تخلو من دعابة.

لا يدخل الناس المقهى كمجهولين، فخلال دقائق يصبح الشخص جزءاً من حديث أو مزاح.

" الشُعبي" يختصر المدينة في مساحة صغيرة، إذ يعني الجلوس فيه الاستماع أو المشاركة في نقاش حول أسعار السلع، أو تحليلات عن الوضع السياسي.

ولأن المكان يشبه مجلساً شعبياً أكثر منه مقهى، نادراً ما تصل النقاشات إلى صدام، إذ يفرض جوّاً من الهدوء، كأن للشاي الأحمر واجباً في تهدئة المزاج العام.

يقول" المعلم" عبده الذي أمضى سنوات عمره خلف" دوافير" المقهى، لـ" العربي الجديد": " ليس هذا المكان دكان شاي فقط، إنه عصب البلاد.

يأتي شخص يشرب الشاي ويتحدث كلمتين ويذهب وهو مرتاح.

نحرص على الطعم الذي لا نغيّره.

الشاي هو الشاي والدافور هو الدافور.

زبائننا من كل مكان.

يأتون من فوق الجبل، وبينهم متعلمون ومثقفون يجلسون على القاع، ولا فارق بين أحد.

أحياناً يطلبون شاي دبل أو محلى زيادة، ونلبي كل الطلبات بحب.

الشاي حقنا فيه بركة لأننا نسكبه بقلوبنا وليس فقط بالكتالي".

يتربع مقهى" الشُعبي" منذ أكثر من نصف قرن على عرش مقاهي تعز باعتباره الأكثر قِدماً وشهرة.

وهذا نتيجة وفاء صارم للطابع الذي وُلد عليه المقهى حين تأسس في سبعينيات القرن الماضي على يد الحاج الشُعبي.

تتجاوز قيمته المعنوية تلك العقارية، ما دفع الأجيال المتعاقبة إلى التعامل معه كقطعة أثرية نادرة يُمنع المس بتفاصيلها.

ويمتد هذا الحرص من الجدران العتيقة إلى" توليفة" الشاي، إذ يرفض القائمون عليه إدخال أي مشروبات عصرية، ويكتفون بالشاي الأحمر الذي صار رمزاً لهوية المكان.

وزاد قدسية المقهى اعتباره ملتقى اجتماعياً موقعه في قلب تعز القديمة، فالمكان لم يسكن الجغرافيا فقط، بل استوطن وجدان أبناء المدينة وذاكرتهم الجمعية، وغدا شاهداً على تحوّلات الأزمنة.

رغم الحرب التي غيّرت ملامح المدينة احتفظ" الشُعبي" بإيقاعه القديم، وبقي مفتوحاً معظم الوقت، كأنه يذكّر الناس بأن ثمّة ما هو ثابت.

وخلال أسوأ سنوات الحرب، كان البعض يصف زيارة المقهى بأنها" استعادة نفس"، أو" استراحة من ثقل الواقع".

وحتى الذين فقدوا أعمالهم ظلوا يمرون به، كأنهم يستمدون من حرارة الكوب ما يعيد ترتيب الداخل قبل الخارج.

يقول محمد علي، ابن الحي، لـ" العربي الجديد": " عشنا الحرب والقصف، والمقهى مفتوح.

كان الناس يهربون من وجع القذائف إلى هنا كي يشربوا الشاي ويرجموا الهموم.

الشُعبي هو روح تعز.

لو أنطفأ الدافور يوماً واحداً كانت تعز كلها ستشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً".

وتبدو وظيفة المقهى النفسية أكثر وضوحاً في قصص مرتاديه.

يحكي رجل فقد عمله عن محاولاته لإيجاد فرصة جديدة فيجد من يستمع.

وهناك شاب يشكو خلافاً أسرياً فيجد من يواسيه بابتسامة تجعله يشعر بأنه ليس وحده.

وعلى الأرض يفترش عبد الحكيم الصبري (في مطلع الستينيات) مكانه المعتاد.

يرتشف الشاي ويشرّد بخياله كأنه يراقب تعاقب الأزمنة، ويقول لـ" العربي الجديد": " تغيّر العالم كله.

راح رؤساء وسقطت دول، وقامت حرب وراء حرب، وثورة وراء ثورة، وتطورت التكنولوجيا، والشُعبي بقي على أصالته، لم ولن يتغير.

يقدم كوب الشاي نفسه وبالطعم نفسه".

ظل مقهى" الشُعبي" مختلفاً بطريقة يصعب استنساخها، فالبساطة هنا ليست خياراً تجارياً بل جزءاً من الهوية، كأن الشاي الأحمر يُعيد" دوزنة" المدينة كل صباح، ويُعيد الناس إلى إيقاعهم الطبيعي مهما تبدلت الأحوال.

يتجذر مقهى" الشُعبي" في عمق الذاكرة اليمنية، ويحتل مكانة كبيرة في نفوس الناس بسبب روحانيته الخاصة التي تعيدهم إلى جلسات وذكريات تربطهم بتاريخهم وماضيهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم.

ليس مذاق الشاي ونكهته الفريدة وسعره المتواضع السر الوحيد الذي يجذب الزبائن إلى مقهرى" الشُعبي".

هناك أسرار أخرى خلف هذا الإقبال.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك