بمناسبة مرور خمسةٍ وعشرين عاماً على مشروع ميثاق العمل الوطني، نستعيد اليوم واحدة من أهم المحطات المفصلية في تاريخ البحرين الحديث، محطة لم تكن مجرد وثيقة سياسية، بل كانت بداية مرحلة جديدة انتقلت فيها المملكة من واقع إلى واقع آخر، ومن أفق محدود إلى آفاق أرحب من الانفتاح والتطور والاستقرار.
وفي حديث الذكريات مع “البلاد” يؤكد عضو مجلس الشورى وعضو اللجنة الوطنية العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني د.
عبدالعزيز أبل أن الميثاق مثّل “نقلة نوعية غيّرت الأوضاع في البحرين، وفتحت الباب أمام مستقبل مختلف، عنوانه الانفتاح السياسي، والنمو الاقتصادي، وتوسيع فضاءات الحريات، وتعزيز دور المجتمع المدني”.
ويشير أبل إلى أن ما أعقب التصويت على مشروع الميثاق لم يكن مجرد إجراءات تنظيمية، بل كان تحولاً شاملاً في التفكير والمسار، انعكس على مختلف مناحي الحياة في المملكة.
يسترجع أبل أجواء ما قبل مشروع ميثاق العمل الوطني، مشيراً إلى أن الوضع السياسي آنذاك كان يختلف جذرياً عما تكرّس بعده، “بعد الميثاق انفتحت الأبواب أمام التقدم والنمو والازدهار، لم يكن الأمر تجربة عابرة، بل مسيرة ديمقراطية ممتدة يمكن قياسها بمعايير دولية”، مؤكداً أن مشروع الميثاق في منشأته واتجاهه العام يمكن مقارنته بالعهود الدستورية الكبرى في التاريخ السياسي، من حيث كونه تعاهداً بين الحاكم والشعب يؤسس لمرحلة جديدة من الحكم الرشيد والتوازن المؤسسي.
ويشدد على أن الميثاق قام منذ بدايته على التوافق بين القيادة والشعب، وأن هذا التوافق هو الذي منح المشروع قوته واستمراريته، فقد أرسى مبادئ واضحة تقوم على الاستقرار، واحترام الرأي والرأي الآخر، والتوازن بين السلطات، والسير بخطى ثابتة نحو الأمام سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
التعديلات الدستورية دعمت العمل النيابي.
ومن أبرز ما أتى به مشروع الميثاق، كما يوضح أبل، تكريس نظام المجلسين: مجلس النواب المنتخب، ومجلس الشورى المعين من أصحاب الخبرة والكفاءة، وقد حدد مشروع الميثاق اختصاصات كل مجلس بوضوح، ضمن آلية تشريعية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن لمصلحة البلاد والعباد لا التصادم.
ويؤكد أبل أن وجود مجلسين أسهم في تطوير العمل السياسي من خلال انتخابات عامة مباشرة تعكس الإرادة الشعبية وتمنح المصداقية للعمل البرلماني، مشيراً إلى أن هذه التجربة أثبتت رسوخها عبر خمسة وعشرين عاماً، حيث استمر المجلس النيابي في أداء دوره دون انقطاع، بخلاف ما شهدته بعض التجارب في المنطقة من حل متكرر للمجالس المنتخبة، كما أن التعديلات الدستورية التي شهدتها المملكة في العام 2012 عززت من آليات العمل البرلماني، ومنها عرض برنامج الحكومة على مجلس النواب، بما يكرس العلاقة بين ممثلي الشعب والسلطة التنفيذية في إطار من الشفافية والمساءلة.
98.
4 % قالت “نعم” لميثاق المستقبل.
ويستحضر أبل محطة الاستفتاء الشعبي التي شكّلت علامة فارقة في التاريخ البحريني والخليجي الحديث، إذ جاءت نتيجة التصويت بـ”نعم” بنسبة غير مسبوقة وهي 98.
4 %، في مشهد التف فيه الشعب البحريني حول قيادته بإرادة حرة ودون ضغوط، حيث “كان ذلك استفتاءً شعبياً حقيقياً عبّر عن قناعة عامة بأن الميثاق هو الطريق إلى المستقبل”، يقول أبل، مضيفاً أن الدولة تحتفل بهذه الذكرى لأنها تجسد ميثاقاً بين الحاكم والمحكوم، وقاعدة راسخة للتوافق الوطني.
وعن كواليس إعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، يستعيد أبل أجواء اجتماعات اللجنة الوطنية العليا، التي انعقدت قبل خمسة وعشرين عاماً في ليالي شهر رمضان المبارك، وكانت تعقد أسبوعياً في أجواء إيجابية يسودها النقاش الحر والمسؤول.
ويؤكد أبل أن العمل داخل اللجنة اتسم بروح ديمقراطية واضحة، حتى في تفاصيله التنظيمية، حيث جرت انتخابات لاختيار السكرتارية بين عدد من الأعضاء حين نافس عضو هيئة المكتب بمجلس الشورى المرحوم عبدالرحمن جمشير، المحامي عبدالله الشملاوي على منصب سكرتارية اللجنة الوطنية العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، في ممارسة تعكس النهج الذي كان يراد تكريسه في الحياة العامة.
كما يشير إلى الدور الذي قام به ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في تهيئة المناخ الإيجابي من خلال لقاءاته مع النخب الوطنية وأفراد الأسرة المالكة الكريمة لطرح فكرة الميثاق، الأمر الذي أسهم في نشر روح التفاؤل في الشارع البحريني، وخلق انطباعا عاما بأن البحرين على أعتاب مرحلة جديدة تحمل بارقة أمل نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.
ويستذكر أبل أنه بعد إقرار مشروع الميثاق، بدأت مرحلة البناء المؤسسي، وعُقدت لقاءات توعوية في مختلف المواقع، من بينها اجتماع في نادي الخريجين بالمنامة، حيث دار نقاش واسع حول نظام المجلسين “النواب والشورى”، وسط قناعة متنامية بأهمية هذا الخيار، ووعي سياسي آخذ في التبلور.
كما أسس الميثاق لانتخابات المجالس البلدية في المحافظات، ومنحها صلاحيات واضحة، بما يعزز التمثيل الشعبي على المستوى المحلي إلى جانب التمثيل النيابي الوطني.
ويؤكد أبل أن التجربة البرلمانية برمتها انطلقت من قاعدة ميثاق العمل الوطني، وأنها شهدت تطوراً ملحوظاً في أداء العديد من المترشحين والنواب، في ظل حرية الناخب في اختيار من يمثله.
تمكين المرأة أحد منجزات الميثاق.
ومن أبرز التحولات التي جاء بها الميثاق، بحسب أبل، إقرار الحقوق السياسية للمرأة البحرينية، حيث عرّف مفهوم “المواطن” ليشمل الرجل والمرأة على حد سواء، بما يتيح للمرأة حق الانتخاب والترشح.
ويشير إلى أن اللجنة الوطنية العليا ناقشت هذا الحق بوضوح، وضمت في عضويتها ما لا يقل عن عشر سيدات من خلفيات مهنية متنوعة في الطب والقانون والتعليم والإعلام وغيرها في دلالة على التوجه الرسمي نحو تمكين المرأة، وقد بادرت عضوات اللجنة إلى التواصل مع الجمعيات والتجمعات النسائية في القرى والمدن لحث المرأة على المشاركة في الاستفتاء، كما تم تكررت بعض الزيارات إلى عدد من المناطق مثل زيارة جزيرة سترة إلى لقاء العناصر النسائية في المآتم والأندية، وقد أثمر هذا التوجه عن مشاركة المرأة في الجمعيات السياسية والانتخابات النيابية، وفوز أول امرأة (لطيفة القعود) بعضوية مجلس النواب بالانتخاب المباشر، إضافة إلى تأسيس المجلس الأعلى للمرأة الذي يقوم بدور بارز في دعم وتمكين المرأة وتعزيز حضورها في مختلف المجالات.
ويؤكد أبل أن المجتمع البحريني يتميز بحيوية وديناميكية يجب الحفاظ عليهما، مشدداً على أن العمل السياسي بطبيعته لا يلغي أحداً، بل يقوم على التعددية وتنوع التيارات بين محافظة ومنفتحة، بدرجات مختلفة، حيث “الاختلاف في الرأي لا يعني الاختلاف على المصلحة الوطنية العليا”، وهنا يقول أبل، موضحاً أن الحلول الوسط والتوافق على ما يخدم الوطن هما جوهر العمل النيابي الرشيد.
ويرى أن العمل السياسي من دون حلول وسط قد يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس، وأن الوعي السياسي يقتضي احترام التباين دون فرض لون واحد أو توجه واحد، فطبيعة السياسة تقوم على التغير والحوار المستمر.
ويختتم أبل حديثه مع “البلاد” بالتأكيد على أن من أبرز ما يميز مملكة البحرين أمنها واستقرارها وطيبة شعبها الحيوي، وهي عناصر شكلت بيئة حاضنة لنجاح تجربة الميثاق واستمرارها، كما يدعو إلى إدراج مسيرة مشروع ميثاق العمل الوطني في المناهج التعليمية بالجامعات، لتعزيز الوعي بتاريخ هذه المرحلة وأبعادها الوطنية، وترسيخ ثقافة التوافق والبناء لدى الأجيال البحرينية القادمة.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لمشروع ميثاق العمل الوطني، يرفع د.
عبدالعزيز أبل أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى المقام السامي، داعياً الله أن تبقى البحرين زاهرة مستقرة متقدمة، وأن يستمر نهج التوافق والبناء لما فيه خير الوطن وأبنائه.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك