من وجهة نظر خاصّة ومحدَّدة، ما نُشر من وثائقٍ كشفتها وزارة العدل الأميركية لا يحمل ما هو بالغُ الجدّة، ولا يثير تلك الصدمة المروّعة، ولا يهزّ قناعات سابقة.
والحديث هنا عن وثائق تتعلّق برجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، الذي عُثر عليه قتيلاً (؟ ) في زنزانته في أغسطس/ آب عام 2019، بعد انكشاف جرائمه الجنسية واتجاره بفتياتٍ قاصرات، بالتعاون مع مساعدة له هي غيسلين ماكسويل، التي تقضي حالياً عقوبة السجن 20 عاماً.
إذ لطالما حفلت صحافة الغرب، ثم" السوشيال ميديا"، إضافة إلى شرائط السينما ومسلسلات التلفزة، بنماذج من جرائم كهذه، اقترفها بعضٌ من علية القوم ممَّن ينتسبون إلى عالم السياسة والمال والفنّ.
والجديد الذي أتى به الملياردير المأفون أنه أطلق خياله المحموم والمسموم، فخصّص جزيرةً نائيةً في أرخبيل جزر العذراء في البحر الكاريبي لإقامة منتجع يستقبل فيه (بعيداً من الأنظار والكاميرات) نخبةً من المشاهير لتشبيك منافع له معهم.
وقد تجلّى حذقه الشرّير في نجاحه في جمع هؤلاء في مكان واحد، وعلى فترات متقاربة ومتباعدة، ومن دون أن يثير كشف هذه الوقائع مفاجأةً مدوّيةً؛ فذلك هو الجانب الخفي والمعتم من حياة هؤلاء ومن يشاكلهم، وهو جانبٌ شبه معلوم وذائع الصيت.
ومن دون الانزلاق إلى التعميم، لن يخلو حال النُّخبة هنا وهناك من عصامي طاهر الذيل، ومن صاحب كفاءة في مجال عمله لم يفسده المال أو المنصب أو الامتيازات المعنوية والمادية التي يحظى بها.
ما تشي به هذه السطور من برود في استقبال هذه الوثائق (بعضها، وعلى نحو أدق: بعض ما تسرّب منها) إنما مردّه رفض المبالغة التي توحي أن الفضائح التي تكشفها الوثائق لا سابق لها، وأنه ليس لتلك الآثام ما يناظرها ويضاهيها في عالمنا.
فالجميع يعلم أن هناك تجارةً واسعةً بالقاصرات والقاصرين، سابقة على وقوع هذه الجرائم، ولاحقة على زمن وقوعها.
ففي تقرير للأمم المتحدة نُشر في مايو/ أيار الماضي ما يفيد بأن نسبة الاتّجار بالأطفال تبلغ 38% من إجمالي ضحايا الاتجار بالبشر.
وما كان لتلك الجرائم أن تقع لولا متنفّذين يسمحون بارتكاب تلك الجرائم وتمريرها.
ويقيناً أن كثرة كاثرة من الناس لا يؤرّقهم سلوك الأمير البريطاني أندرو وندسور، الذي نُزعت منه ألقابه وامتيازاته الملكية قبل انكشاف أمر هذا المنتجع، ولا عن جوانب الحياة الشخصية لإيلون ماسك، ولا عن أسباب طلاق بيل غيتس من زوجته بعد حياة زوجية طويلة ومستقرّة.
ولن ينشغل كثيرون بوليّة عهد النرويج ميت ماريت وعلاقتها بإبستين، لأسباب وجيهة؛ فعالمنا حافل بالفظائع من كل لون ونوع، حتى يكاد المرء يستنتج لو أن الأهوال كانت قاصرةً على ما كان يدور في جزيرة ليتل سانت جيمس، لكان العالم ربّما قابلاً للعيش.
فليكن لكبار القوم ما يشاؤونه لأنفسهم من سوءات، ولينعم بقيّة البشر بحياة لائقةٍ تتوافر على حدّ أدنى من مقوّمات عيش كريم، وبغير مخاطر تتربّص بهم داخل بلدانهم أو تهديدات خارجية تحيق بهم.
بيد أن عالمنا أسوأ بكثير، وإلى درجة أن كثيرين لم تستوقفهم بشاعات المدعو إبستين؛ فقد ألفوا اقتران عالمنا بالعُسف والمظالم من كل نوع وكل درجة، علاوة على أن الاحتفال الإعلامي الهائل بتلك الوقائع لن يحجب وقائع أشدّ قسوة لا تمتدّ يدٌ لوقفها.
الحرب القذرة على غزة تمت برعاية حثيثة وموصولة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بقيادة جو بايدن ودونالد ترامب على التوالي.
وبينما اقترنت الوثائق بشخصيات أميركية في عالم التكنولوجيا والأعمال والنُّخبة السياسية، فإنها اتّسعت لتشمل أسماءَ بارزةً ورنّانةً من أوروبا وغيرها، وهو ما يُلقي ظلالاً على سجلّ هؤلاء الشخصي والمهني.
على أن ذلك كلّه لا يمثّل وحده دليلاً على سقوط الغرب ابتداءً من درّة تاجه، الولايات المتحدة؛ فثمّة واقعة كارثية كبرى كشفت سقوط هذا الغرب، وهي حرب الإبادة في غزّة.
لقد أيّد الحزبان الديمقراطي والجمهوري هناك تلك الحرب، ومنحا الطرف القائم بالإبادة ما يحتاجه من أسلحة، ورافق ذلك سخاء مالي وتحشيد دبلوماسي وسياسي، وهي حرب فتكت (وما زالت) بآلاف الأطفال.
وفي الضفة الأخرى للأطلسي ارتفعت أصوات تنعى أوروبا لنفاقها وازدواجية معاييرها، إذ إن أغلبية دول الاتحاد الأوروبي رفضت تصنيف تلك الحرب بما هي عليه من إبادة، بما ينطوي عليه هذا الرفض من عنصريةٍ تسمح بتمرير الوحشية.
وفيما واصلت وسائل إعلام أميركية وغربية نشر تسريبات عن فظائع منتجع إبستين، مع تخصيص مساحات كبيرة وأوقات طويلة لتلك التغطيات، كشفت قناة الجزيرة، في هذه الأثناء، ما سرّب بإيجاز سابقاً عن أسلحة أميركية استخدمت وجرّبت ضدّ سكّان غزّة، وأدّت إلى تبخّر أجساد آلاف الضحايا.
أجل، أسلحة فائقة ذات مفعول نووي تؤدّي إلى تبخّر أجساد المستهدفَين من المدنيين المنكوبين، إلى جانب آلافٍ سقطوا نتيجة القصف بالصواريخ والقذائف، وبالتجويع والحرمان من الدواء.
فظائع إبستين دليل إضافي على تحلّل نُخب غربية وافتقادها أبسط ضوابط الضمير.
تذكر التسريبات أن بيل كلنتون ودونالد ترامب متورّطان في بعض ما كان يجري في جزيرة إبستين، على أن الأدعى للاهتمام أن الحزبين الكبيرين متورّطان في الجريمة الكبرى في غزّة، وإلى درجة أن هذه الحرب القذرة قد تمت برعاية حثيثة وموصولة من الحزبين بقيادة جو بايدن ودونالد ترامب على التوالي.
والأخير سمح بسقوط آلاف من الضحايا قبل أن يتدخل، وتجاهل متعمّداً قتل 570 إنساناً عقب وقف إطلاق النار.
ودعا مجرم الحرب بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية إلى الانضمام عضواً في مجلس السلام، ورفض وجود ممثّل لفلسطين في هذا المجلس.
تمثّل فظائع إبستين دليلاً إضافياً على تحلّل نُخب غربية وعلى افتقادها إلى أبسط ضوابط الضمير، بينما يعكس الموقف من الحرب على سكّان غزّة السقوطَ الأخلاقي الأكبر لسياسات الغرب، وهزيمةً نكراء لادّعاءاته حول التمسّك بحقوق الإنسان ومكافحة العنصرية؛ إذ إن الموقف الممالئ للفاشية الإسرائيلية في جوهره عنصري صفيق، يتعدّى الانحياز السياسي أو حتى الولاء الأيديولوجي.
ومع إدانةٍ قاطعةٍ لسياسات دول غربية تجاه غزّة التي تكالبت عليها الذئاب البشرية، فإن الأمانة لا تعفي دولاً أخرى في الشرق، بما فيه الشرقُ العربي، من مسؤولية التقاعس المديد عن إيقاف هذه الحرب القذرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك