في لحظة مفصلية من تاريخ البحرين السياسي، تشكّلت اللجنة العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، لتضع الأسس التي ستنطلق منها مرحلة جديدة من الإصلاح والنهضة.
وبين قاعات قصر الزاهر، وعلى امتداد ليالي شهر رمضان، كانت تُدار نقاشات وطنية عميقة، وتُصاغ وثيقة ستصبح لاحقًا مرجعًا وركيزة في مسيرة الدولة الحديثة.
ضيف هذا الحوار جمال زويد كان شاهدًا من الداخل، وفاعلًا في قلب الحدث، عبر عمله كأمين سر مساعد للجنة العليا لإدارة مشروع ميثاق العمل الوطني، حيث عاش تفاصيل تشكيل الميثاق لحظة بلحظة، ووثّق محاضر الاجتماعات، وتابع النقاشات المحتدمة، وشهد أحداثًا إنسانية ووطنية لا تُنسى.
في هذا الحوار، يكشف لنا زويد عن كواليس تلك المرحلة، ومشاهد تُروى لأول مرة، وعن شعوره وهو يرى ثمرة الجهد تُتوَّج بنسبة 98.
4 % في الاستفتاء التاريخي.
كيف تم اختياركم للعمل في اللجنة العليا للميثاق الوطني؟ وما طبيعة مهامكم؟في نوفمبر من العام 2000م، أعلن ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله، تشكيل اللجنة العليا لإعداد مشروع ميثاق العمل الوطني، وكان من بين أعضائها الراحل عبدالرحمن جمشير، رحمه الله، الذي أُسندت إليه مهمة المقرر العام.
وقد اختارني - وكنت حينها بوظيفة مراقب للجان بمجلس الشورى، بمعية الأخ العزيز عبدالناصر الصديقي الذي كان حينها مراقبًا للجلسات بالشورى - لمساعدته في أداء هذه المهمة الوطنية، وتكوين لجنة أمانة سر وسكرتارية تتولى تحرير مضابط الجلسات وتنظيم جداول الأعمال، وتوثيق المحاضر وما شابه ذلك.
كنتم في موقع تنظيمي حساس كأمين سر مساعد للجنة العليا للميثاق، كيف تصف لنا أجواء أوّل اجتماع حضرتموه؟ وماذا كان الشعور السائد بين الأعضاء؟أتذكر جيدًا أن أوّل اجتماع حضرته في اللجنة العليا كان يومًا مشحونًا بالحماسة والترقّب.
كل الأعضاء كانوا واعين تمامًا بحساسية المرحلة وأهمية المهمة الموكلة إليهم.
كان الشعور السائد مزيجًا من المسؤولية الوطنية الكبيرة والرغبة في تقديم أفضل ما لديهم.
لكن هذا الاجتماع أيضًا حمل بعض التوتر عندما تحفّظ بعض الأعضاء على وجود ما أسموه مسودة للميثاق، وطالبوا بإلغائها، في حين ردّ عليهم الراحل سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رحمه الله - وكان رئيسًا للجنة - بأن هذه ليست مسودة، وإنما إطار أو دليل استرشادي مساعد، وأوضح أن لجنة الصياغة التي ستنبثق منكم سيكون لديها صفحة بيضاء فارغة تكتب فيها ما تتفقون عليه فقط.
وبالفعل تم ذلك.
ما أبرز التحديات التنظيمية والإجرائية التي كانت تواجه اللجنة بالاجتماعات، خصوصا مع تنوع الآراء والرؤى؟التحديات كانت كثيرة، وأهمها تنسيق الآراء المتنوعة.
كل عضو كان يأتي برؤيته الخاصة عن الإصلاح السياسي ودور الميثاق في مستقبل البحرين.
بعض الأعضاء كانوا يركّزون على الجوانب القانونية، بينما كان البعض الآخر يهتم بالجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث إن اللجنة شملت كل الأطياف والقطاعات والتوجهات.
على المستوى التنظيمي والإجرائي جاءت هذه المهمة في شهر رمضان المبارك، وكانت اجتماعات اللجنة تُعقد في قصر الزاهر عقب صلاة التراويح، وتمتد حتى قبيل السحور.
وما إن تُختتم الجلسات حتى نبدأ بتفريغ التسجيلات، وإعداد مضبطة الجلسة، وتجهيز جدول أعمال اليوم التالي، في عمل دؤوب ووفق جدول زمني محدد بحيث تصل المضبطة إلى جميع أعضاء اللجنة عصر اليوم التالي.
كانت تلك أيامًا مرهقة فعلا، لكنها مفعمة بالمعنى والرسالة، ودافعها الحماسة ومواكبة قيمة الحدث وردّ التقدير بالمثل.
ومما لا أنساه أن عبدالرحمن جمشير رحمه الله (المقرر العام للجنة العليا)، كان بيننا في أمانة السر دومًا، لا يغيب عن مشهد العمل، يتابع ويشرف، يتفقد ويُوجّه، ويشاركنا كل تفاصيل المهمة، صغيرها وكبيرها.
لقد منحنا وجوده القوة والدافع، وكنا نعمل بإصرار لنكون عند حسن ظنه، موقنين بأن المسؤولية أكبر من مجرد مهمة إدارية أو فنية.
رزقت بتوأمين في أحد أيام عمل اللجنة وتكفّل وزير الديوان الملكي بعقيقة المولودين.
هل تتذكر موقفًا داخل أحد الاجتماعات ظل عالقًا في ذاكرتك حتى اليوم؟نعم، أكثر ما كان يستوقفني في تلك الاجتماعات إدارتها؛ البساطة وسعة الصدر التي كان يتمتع بها رئيس اللجنة العليا سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة ونائبه إبراهيم محمد حسن حميدان رحمهما الله، وكيف كانا يديران النقاش المحتدم برحابة وعفوية ساهمت بلا شك في تماسك اللجنة ونجاحها وظهورها بالصورة المشرفة التي فاقت التوقعات.
ومن اللحظات الإنسانية التي لا أنساها أن الله رزقني بتوأمين في أحد أيام عمل اللجنة؛ فاستأذنت من المقرر العام عبدالرحمن جمشير رحمه الله لأكون إلى جانب عائلتي، فبارك لي ورخّصني، لكنه فوجئ لاحقًا بعد انتهاء الجلسة بوجودي في المساء بمقر العمل؛ فعاتبني بمودة، ثم فاجأني بعد قليل بحضوره إلى قاعة عمل السكرتارية وأمانة السر برفقة الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الديوان الملكي؛ لتقديم التهنئة بالمولودين.
وفي صباح اليوم التالي، أُبلغت بتكفّل وزير الديوان الملكي بعقيقة المولودين، في مشهد يجمع بين التقدير والخلق الكريم، وستظل هذه التهنئة والتقدير حيّة في وجداني.
كيف كانت تُدار النقاشات داخل اللجنة؟ وهل كانت هناك اختلافات حادة؟ وكيف كان يتم الوصول إلى التوافق؟النقاشات كانت منظمة جدًا.
كان هناك جدول أعمال محدد لكل اجتماع، وكان رئيس اللجنة يحرص على أن يحصل كل عضو على فرصة للتعبير عن رأيه.
نعم، كانت هناك اختلافات حادة أحيانًا، خصوصا بالنظر إلى جرأة الطرح والمصارحات التي كانت لا سقف لها، وربما كانت هذه الشفافية غير متوقعة.
أعتقد بأنه لم يبق شيء لم يتم طرحه في اجتماعات اللجنة.
لكن روح الاحترام والتفاهم كانت دائمًا حاضرة.
ومكانة وحكمة رئيس اللجنة سمو الشيخ عبدالله بن خالد رحمه الله كانت صمّام أمان ورمانة ميزان للوصول إلى توافق جماعي.
بحكم عملك في الأمانة، كنت قريبًا من محاضر الاجتماعات، ما الذي يمكن أن تقوله عن حجم الجهد المبذول خلف الكواليس؟الجهد خلف الكواليس كان هائلًا.
كأمانة سر، كنا نتعامل مع جلسات تمتد إلى ما يقارب أربع أو خمس ساعات يوميًا، من بعد التراويح إلى ما قبل السحور.
مطلوب بعدها تفريغ كامل التسجيلات وطباعتها بدقة، وتخضع لمراجعات لغوية وإملائية عدة قبل توزيعها على أعضاء اللجنة عصر اليوم التالي، مع تجهيز جدول أعمال الجلسة الجديدة وتهيئة قاعة الاجتماع وما شابه ذلك من أعمال.
كنا في البداية نخشى ألّا ننجز المطلوب أو ألّا ننجزه في الوقت المحدد، خصوصا أن هذا العمل الكبير كان يتم في شهر رمضان.
كان لوجود نائب رئيس اللجنة إبراهيم حميدان والمقرر العام عبدالرحمن جمشير معنا، ومتابعتهما الحثيثة، أثر كبير في دعمنا وتشجيعنا.
وأذكر جيدًا أن جمشير، رحمه الله، كان ينتظر مني يوميًا في فترة الظهيرة اتصالًا أطمئنه بأن المضبطة قد جُهزت.
أشعرت في تلك الفترة أنكم تصنعون لحظة تاريخية أم أن الشعور تبلور لاحقًا؟بصراحة، الشعور بالأهمية كان موجودًا؛ بالنظر إلى شخوص اللجنة وزمان المرحلة ومكان الاجتماع أيضًا، لكن إدراك حجم اللحظة التاريخية أصبح أوضح بعد مرور الوقت.
أثناء الاجتماعات، كنا منشغلين بالتفاصيل اليومية؛ الصياغة، الملاحظات، النقاشات، تفريغ التسجيلات، الطباعة.
إلخ.
لكن بعد إعلان الميثاق وعرضه على الشعب، وعندما رأينا حجم التفاعل والقبول الشعبي، أدركت تمامًا أننا كنا جزءًا من لحظة فارقة في تاريخ البحرين السياسي والاجتماعي.
كيف كان تفاعل الشارع البحريني مع أعمال اللجنة قبل الاستفتاء؟كان واضحًا أن الشارع كان يراقب اجتماعات اللجنة ويترقب مخرجاتها.
وأعتقد بأن هناك زخمًا كبيرًا وترقبًا شعبيًا واهتمامًا واسعًا.
الناس كانوا متحمسين، ويطرحون أسئلة عن تأثير الميثاق على حياتهم اليومية ومستقبل أبنائهم، أو كيفية إقراره.
الشعور العام كان إيجابيًا على رغم بعض التساؤلات والشكوك.
لكن الروح التي اتسم بها أعضاء اللجنة وتفاؤلهم وحرصهم، ثم جاء أمر جلالة الملك المعظم، حفظه الله، بأن يُطرح مشروع الميثاق الوطني في استفتاء عام ليبدد كل تلك المخاوف، وهو الأمر - في اعتقادي - الذي أعطى الميثاق هذه النتيجة التاريخية (98.
4 %).
صف لنا يوم إعلان نتائج الاستفتاء، أين كنت؟ وماذا دار في ذهنك؟كنت في يوم الاستفتاء مشاركًا في إحدى لجانه التنفيذية.
وعندما تم إعلان هذه النتيجة الكبيرة، شعرت بسعادة غامرة وارتياح.
في تلك اللحظة، خطر ببالي كل الأعضاء وكل المناقشات الطويلة.
كل اللحظات الصعبة كانت تستحق.
كان شعورًا بالفخر الوطني، وبأنني ساهمت ولو بشيء يسير في ذلك العمل الكبير الذي سيظل جزءًا من تاريخ البحرين.
98.
4%.
شهادة شعب على ميلاد مرحلة جديدة من الإصلاح.
بعد مرور كل هذه السنوات، ما أكثر شيء تفخر بأنك كنت جزءًا منه؟أكثر ما أفخر به هو كوني جزءًا من لجنة خدمت الوطن في مرحلة مفصلية في تاريخ البلد، وساهمت في صياغة وثيقة وطنية أسست لمرحلة جديدة من الإصلاح والتطور.
كما أنني فخور بأن استمرت مساهماتي الوطنية في مرحلة ما بعد الميثاق وما نتج عنها من مخرجات وطنية أعادت الحياة النيابية؛ إذ تم تعييني كأمين عام مساعد للجان والجلسات والبحوث بمجلس النواب منذ بداية تأسيسه، وكذلك تعييني رئيسًا للجنة المنظمة لحوار التوافق الوطني بالعام 2011م.
ودائمًا شعور الانتماء الوطني والعمل الجماعي تجربة لا تُنسى وأثرها يظل حاضرًا حتى اليوم.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك