ليست تيمور ليستي اسماً مألوفاً في نشرات الاقتصاد الخليجي، لكنها دولة فتية في جنوب شرق آسيا نالت استقلالها عام 2002 وانضمت إلى رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) عام 2025، وتواجه اليوم سؤالاً جوهرياً: كيف تنتقل من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد يولد فرص العمل عبر الاقتصاد الأخضر، من موردٍ ينضب إلى موردٍ يُدار ويُجدد؟ هذا السؤال ليس ترفاً نظرياً، بل معركة صامتة حول شكل المستقبل الاجتماعي لشعب فتيٍّ يبحث عن الاستقرار قبل الازدهار.
هذا المستقبل الاجتماعي يتجسد في “السياسة الوطنية للسياحة حتى عام 2030” التي حددت هدف جذب 200 ألف سائح وتحقيق إيرادات تقارب 150 مليون دولار أميركي سنوياً، مع خلق آلاف الوظائف الجديدة في بلد محدود السكان.
قد تبدو هذه الأرقام متواضعة مقارنة بمدن الخليج العربي التي تستقبل ملايين الزوار، لكنها في اقتصاد صغير تمثل تحولاً بنيوياً حقيقياً، لأنها تعني إدخال مصدر دخل متجدد يقلل الضغط على صندوق الثروة النفطية الذي يشكل العمود الفقري للميزانية العامة.
والتحول البنيوي لا يتحقق بالأهداف وحدها، لذلك رافقته مشاريع بنية تحتية واضحة، أبرزها تطوير مطار العاصمة (ديلي) بدعم من البنك الآسيوي للتنمية، مع تمديد المدرج إلى نحو 3 آلاف متر، إضافة إلى نقل أنشطة الحاويات إلى ميناء (تيبار) وتخصيص ميناء (ديلي) للسفن السياحية.
هذا الفصل بين التجارة الثقيلة والسياحة يعكس فهماً بأن الوصول المنظم شرط أساسي لاقتصاد سياحي قابل للنمو.
غير أن الوصول المنظم لا يكفي ما لم تحمَ الموارد الطبيعية التي تقوم عليها الفكرة كلها، فالتقارير البيئية حذرت من أن السياحة غير المنظمة قد تؤثر في مسارات هجرة الحيتان، وهي إحدى نقاط الجذب الرئيسية في البلاد.
لذلك تتجه الحكومة إلى نماذج السياحة القائمة على المجتمع، بحيث تستفيد القرى الساحلية مباشرة من العائد، بدل أن يتركز الربح في العاصمة وحدها.
هنا يصبح توزيع الدخل جزءاً من حماية البيئة، وتتحول العدالة الاجتماعية إلى أداة اقتصادية لا مجرد شعار.
ومن زاوية خليجية، تبدو هذه التجربة فرصة لا ينبغي إغفالها، فالتقديرات تشير إلى حاجة القطاع إلى نحو ألفي غرفة إضافية واستثمارات تقارب 230 مليون دولار لتحقيق أهداف 2030.
هذه أرقام محدودة في ميزانيات الصناديق السيادية الخليجية، لكنها قادرة على إحداث أثر عميق في اقتصاد ناشئ يبحث عن شريك طويل الأمد لا مستثمر عابر.
إجمالاً، ليست السياحة في تيمور ليستي رحلة ترفيهية فحسب، بل محاولة واعية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي عبر الاقتصاد الأخضر.
وبين مطار يتمدد، وشواطئ تُحاط بالحماية، ومجتمعات تنتظر نصيبها من العائد، يتشكل درس يتجاوز الجغرافيا، الثروة الحقيقية ليست في مورد ينضب، بل في مورد يُدار بحكمة، لهذا تستحق أن تُقرأ خليجياً كنموذج للتنويع الاقتصادي.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون.
منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك