تعيش مملكة البحرين في كل عام أسعد أيامها في ذكرى ميثاق العمل الوطني المجيد، الذي بفضله تحققت على أرض الواقع الكثير من المكتسبات الوطنية، التي كانت جميع فئات الشعب البحريني تتطلع إليها بشوق كبير.
كانت سياسة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم، واضحة للعيان منذ أن تولى مقاليد الحكم في مارس من العام 1999م، وهي سياسة اتسمت بالحكمة والموضوعية فنالت إعجاب جميع أفراد الشعب البحريني.
ولا غرو في ذلك؛ فقد كانت لجلالته خبرة في المجال السياسي؛ إذ قضى سنوات عدة وليًا للعهد، وكان يراقب من كثب الأمور الجارية في البلاد.
وعندما تولى جلالته مقاليد الحكم بدأ أولًا بإعطاء الملف السياسي عناية خاصة؛ لما لهذا الملف من أهمية قصوى في نشر الأمن وبث الطمأنينة بين الجميع.
وشعر المواطن البحريني بالسعادة في جو ديمقراطي حقيقي.
من هنا وضع صاحب الجلالة الملك المعظم، من خلال نظرته الثاقبة، خططًا ناجحة ومتميزة أذهلت الجميع في الداخل والخارج.
وبدأت أنظار العالم تتجه صوب البحرين، وتراقب الأجواء الجديدة التي أحدثتها إصلاحات جلالة الملك المعظم.
ووجد المعنيون بالسياسة أن ما قام به جلالة الملك المعظم من إصلاحات في فترة زمنية قصيرة أدى إلى اختصار طريق طويل كان لنا أن نقطعه عبر سنوات عديدة، إلا أن جلالته أراد لنا أن نشهد في بداية عهده قيام دولة المؤسسات؛ فجاء انبثاق “ميثاق العمل الوطني” كضمانة أكيدة لحياة ديمقراطية راسخة؛ نظرًا لاشتماله على مرتكزات تؤمن الخير للجميع من حرية الكلمة إلى العدل والمساواة والفصل بين السلطات، والمحافظة على الدستور، وقيام مجلس منتخب يتولى أمور التشريع، إلى غير ذلك من أمور تعود بالنفع على الوطن والمواطن.
كان لجلالة الملك المعظم الفضل في تشكيل لجنة وطنية عليا لإعداد مشروع “ميثاق العمل الوطني” من ذوي الخبرة والرأي.
وتمثل هذه اللجنة مختلف شرائح المجتمع رجالًا ونساءً من المثقفين والأكاديميين، ورجال الدين، والصحافيين، وبعض أعضاء مجلس الشورى السابق وغيرهم من أصحاب الكفاءات العالية، وذلك للاستفادة من آرائهم في إعداد بنود ميثاق العمل الوطني.
بذلت اللجنة جهودًا مضنية، فكانت النتيجة إبراز الميثاق الوطني في بنود متكاملة تمس حياة المواطن البحريني من جوانب عدة.
ومثلت كلمات صاحب الجلالة الملك المعظم عن الميثاق، الركيزة الأساسية لما ستكون عليه البلاد من نظام متقدم، بل كانت بمثابة الإفصاح عن عقد اجتماعي بين جلالته وأبناء شعبه؛ فقد عبر جلالة الملك المعظم صراحة عن ذلك بقوله:
“نريده ميثاقًا للوطن ووثيقة للعهد وركيزة لعقد اجتماعي جديد في مسيرتنا الوطنية، يرسخ ويوثق أصالة البحرين وتميزها وتراثها الحضاري، ويؤكد وحدة الوطن أرضًا وشعبًا، كما يمثل في الوقت ذاته دليل عمل لمستقبله، يحدد معالم الطريق ويستكمل مؤسسات الدولة ونظمها، ويرسم آفاق الغد الأفضل للبحرين الجديدة التي نريدها أبها وأجمل، لنا ولأجيالنا المقبلة”.
انطلق بعد كلمة جلالة الملك المعظم عقد ندوات ولقاءات واجتماعات عن كلمة جلالته وبنود ميثاق العمل الوطني.
وتوصلت الندوات التي نظمت في البلاد لمناقشة الميثاق، التي لاقت حضورًا مكثفًا من أبناء الشعب بمختلف فئاته، وكان آخرها المنتدى الشعبي الكبير الذي أقيم في نادي الخريجين يوم الأحد الموافق 14 يناير 2001م، وتم التوصل فيه إلى أن البحرين مقبلة بفضل “الميثاق” على مستقبل زاهر، ونقلة نوعية كبيرة تسهم بدورها في تفعيل المسار الديمقراطي، وذلك بفضل النظرة الثاقبة لصاحب الجلالة الملك المعظم.
لقد أوجد مشروع “ميثاق العمل الوطني” فرصة لجميع المواطنين لمناقشة بنوده والاستفسار عن بعضها عبر قنوات مختلفة أهمها المنتديات، وقناة البحرين الفضائية، والصحافة، وما يدور بين الناس في مجالسهم.
وقد توصلوا جميعًا إلى قناعة تامة بأن “ميثاق العمل الوطني” هو تكامل بين رؤية جلالة الملك المعظم وتطلعات الشعب البحريني؛ ما يعني مباركة الجميع لهذا المشروع الوطني الرائد.
رُفع ميثاق العمل الوطني بعد الانتهاء من صياغته بشكل نهائي إلى جلالة الملك المعظم من قبل لجنة إعداد الميثاق، وذلك في 23 ديسمبر 2000م، وأُعلن يومي الأربعاء والخميس 14 و15 فبراير 2001م موعدًا للاستفتاء العام من قبل شعب البحرين على الميثاق.
توجهت الجماهير الغفيرة من المواطنين البالغين 21 عامًا فما فوق إلى صناديق الاقتراع.
وكانت نتيجة الاستفتاء على الميثاق عالية جدًا؛ إذ بلغت نسبة من قالوا نعم للميثاق 98.
4 %.
وبعد التصويت على الميثاق من قبل الشعب البحريني، صادق جلالة الملك المعظم على نتيجة الاستفتاء يوم الجمعة 16 فبراير 2001م.
نص ميثاق العمل الوطني في الفصل الثاني على أن نظام الحكم في دولة البحرين ملكي وراثي دستوري.
ففي الذكرى الأولى للتصويت على ميثاق العمل الوطني في 14 و15 فبراير 2001م، صادق جلالته في 14 فبراير 2002م على التعديلات الدستورية التي أقرها الميثاق، وتحولت بذلك “دولة البحرين” إلى “مملكة البحرين”.
كما تم إجراء تغيير طفيف على علم البحرين، حيث قلص عدد المثلثات البيضاء في العلم من ثمانية إلى خمسة مثلثات دلالة على أركان الدين الإسلامي الخمسة.
وتناول الباب الثالث من الدستور الحقوق والواجبات العامة، كما تناول الباب الرابع السلطات، حيث يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقًا لأحكام الدستور.
ونص الدستور على أن يتألف المجلس الوطني من مجلسين: مجلس الشورى ومجلس النواب.
ويتألف مجلس الشورى من أربعين عضوًا يُعيّنون بأمر ملكي، ويتألف مجلس النواب من أربعين عضوًا يُنتخبون بطريقة الانتخاب العام السري المباشر.
لقد تم انتخاب أربعين عضوًا لمجلس النواب، كما تم تعيين أربعين عضوًا بأمر ملكي لمجلس الشورى، وبدأ انعقاد المجلسين لأول مرة يوم السبت الموافق 14 ديسمبر 2002م؛ ما يعني أن الحركة السياسية والديمقراطية بلغت أوج نضجها بنهاية العام 2002م على يدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم.
وتماشيًا مع ما نص عليه الميثاق من المساواة بين المرأة والرجل، نص التعديل الدستوري على أن “للمواطنين رجالًا ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق الانتخاب والترشح، وذلك وفقًا لهذا الدستور والأوضاع التي يبينها القانون”.
كما نص التعديل على أنه “تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجال في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية”.
ومن الجدير بالذكر أن “ميثاق العمل الوطني” تناول في فصوله السبعة نقاطًا في غاية الأهمية تمثلت في: المقومات الأساسية للمجتمع، ونظام الحكم، والأسس الاقتصادية للمجتمع، والأمن الوطني، والحياة النيابية، والعلاقات الخليجية، والعلاقات الخارجية، واستشراقات المستقبل.
أقر الميثاق المساواة بين الجميع، ومبدأ تكافؤ الفرص، وكفل الحرية الشخصية، وحرية العقيدة، وحرية التعبير والنشر، ومبدأ فصل السلطات، وسيادة القانون، واستقلال القضاء.
وبهذا أصبح دستور مملكة البحرين من بين أهم الدساتير التي تحافظ على حقوق الإنسان، وتنص على مبدأ المساواة، وجميعها تمثل ثمرة من ثمار ميثاق العمل الوطني المجيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك