تعتبر أزمة سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية، إحدى أكثر القضايا الاقتصادية والاجتماعية حساسية في سوريا خلال السنوات الأخيرة، حيث شمل تأثيرها مختلف الطبقات الاجتماعية، من التجار الصغار إلى المواطنين البسطاء.
الحديث عن سعر صرف الدولار لم يعد مجرد مناقشة اقتصادية فنية، بل أصبح واقعا يوميا يحدد مصير العائلات والشركات التجارية والصناعية، ويتخطاها إلى مستقبل الشباب الطامحين في بناء حياة مستقرة وآمنة.
سعر الصرف: ظاهرة اقتصادية تحولت إلى أزمة حياة.
دخلت سوريا، منذ تراجع الليرة وتدهورها مقابل الدولار الأميركي، في حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، انعكست بشكل مباشر على قوة المواطن الشرائية من جهة، وعلى قدرة التجار على إدارة أعمالهم من جهة أخرى.
فأصبح سعر الدولار العامل الحاكم لكل شيء، خاصة وأن البيئة تعتمد على الاستيراد بشكل كبير، لتتذبذب بالتالي أسعار كل المواد، من الخبز إلى الوقود الذي يتغير سعره بشكل شبه يومي، إلى الأدوية ورسوم التعليم وصيانة السيارات والأدوات وغيرها.
أسعار السلع ارتفعت في الأعوام الماضية بشكل غير مسبوق، ليصبح التاجر في حالة ترقب دائم لتحرك أسعار الدولار، على اعتبار أن أي ارتفاع جديد في سعر صرف الدولار، يعني خسائر إضافية وانخفاضا في الطلب بسبب الزيادة في الأسعار.
يعتمد كثير من تجار سوريا على الاستيراد بشكل أساسي لتأمين بضائعهم، من قطع سيارات وإلكترونيات، إلى مواد غذائية، وحتى المواد الخام المستخدمة في الصناعة المحلية، ومع ارتفاع سعر الدولار بشكل مستمر، باتت كلفة السلع المستوردة ترتفع بشكل كبير ومستمر، فأصبح من الصعب تحديد سعر بيع ثابت على خلفية تقلبات الصرف المتكررة، ليضطر بعض التجار إلى تحمل الخسائر المؤقتة أو تأجيل عمليات الاستيراد، ما أثر سلبا على المخزون وتوافر السلع.
يقول" عبدالله" لموقع تلفزيون سوريا، وهو تاجر مواد غذائية في اللاذقية: " نشتري البضائع بالدولار، ولكن عندما نبيع، نضع السعر بالليرة، ومع كل ارتفاع في الدولار نخسر الكثير، خاصة وأن المواد تبقى لأيام وأسابيع قبل أن تباع".
أما" أبو يامن"، وهو تاجر في مدينة جبلة، يقول: " حتى التجار الذين يعتمدون على سلع محلية الإنتاج، واجهوا ضغوطات كبيرة، حيث لم يتوقف ارتفاع الأسعار عند السلع المستوردة فقط، بل طال المواد المحلية أيضا".
ويوضح: " الارتفاع جاء بسبب ارتفاع تكاليف النقل، وارتفاع أسعار المواد الأولية التي يتم استيرادها، علاوة على تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وبذلك أصبح هامش الربح يتقلص بوتيرة أسرع، مما دفع بعض التجار لتقليص نشاطهم أو إغلاق محلاتهم".
التقسيط والدين مع تغير سعر الصرف.
في الأعوام الماضية، ومع استقرار الأسعار، كان كثير من التجار يمهلون الزبائن للدفع، أو يعملون بنظام الائتمان والتقسيط المريح، لكن مع ارتفاع سعر صرف الدولار، وفقدان الثقة في استقرار الأسعار، تلاشت عمليات التقسيط والدين، وتراجعت المبيعات بشكل كبير.
يشير" رباح عيسى"، تاجر سيارات من طرطوس، إلى أن" عمليات البيع الكاش باتت هي المسيطرة على حساب البيع بالتقسيط، لأن السيارة التي سعرها مليون مثلا، كنا نبيعها بمليون ومئة ألف بالتقسيط، وبعد استيفاء كامل السعر نجد أن سعرها أصبح مليوني ليرة".
ويضيف: " أصبحنا نقسط سيارات شرط قرن القسط بالدولار، فانصرف الزبائن عن الشراء وتراجعت عمليات البيع، لتتراجع أرباحنا معها، والسبب الأبرز هو ارتفاع وتغير سعر الصرف باستمرار".
مواطنو الطبقات المتوسطة والفقيرة والمعدمة، كان لهم النصيب الأوفر من آثار تدهور سعر صرف الدولار، فعندما يرتفع، ترتفع معه أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقمح والزيت والسكر، كما ترتفع أسعار الأدوية والمعاينات، والخدمات التعليمية والصحية.
يقول" أبو علي"، أحد سكان مدينة اللاذقية: " أصبحت أشتري أقل بكثير مما كنت أشتريه العام الماضي بنفس المبلغ، فعندما سقط النظام انخفض سعر الصرف إلى 9 آلاف ليرة، ليعاود الارتفاع إلى 12 ألف تقريبا اليوم، فارتفعت الأسعار قرابة 25 في المئة".
ويكمل: " كل يوم نحسب حساب سعر صرف الدولار واحتمالات ارتفاعه وانخفاضه، والمشكلة الأكبر أن التجار عندما يرتفع الدولار يرفعون الأسعار، بينما لا يخفضونها مع انخفاض سعر الصرف".
الخدمات الأساسية في ظل تغير سعر الصرف.
ترتبط القطاعات الحيوية مثل الكهرباء والمحروقات والأدوية بسعر صرف الدولار، بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن المعروف أن ارتفاع تكلفتها يؤثر مباشرة على حياة المواطن اليومية، سواء في تكاليف التدفئة خلال فصل الشتاء، أو المواصلات الخاصة والعامة، أو استهلاك الغاز المنزلي، وغيرها.
كما لم تنجُ القطاعات الصحية والتعليمية من التأثر بسعر الصرف، حيث يعتمد قطاع الصحة على الأدوية والأجهزة والأدوات المستوردة، كما تعتمد المدارس والجامعات الخاصة والعامة على الكتب والمواد التعليمية المستوردة بالدولار، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الدراسية والطباعة والحبر والكومبيوترات وغيرها.
من جهة أخرى، تعتبر مسألة العمالة إحدى أخطر المشكلات التي تسبب بها تراجع سعر صرف الليرة المستمر خلال الأعوام الماضية، حيث تراجع الطلب على العمال في بعض القطاعات المتعثرة، في وقت قامت فيه بعض الشركات بتقليص عدد العمال بغية تقليل النفقات.
أحد أصحاب المشاغل الصغيرة في طرطوس، يوضح لموقع تلفزيون سوريا أن معدلات البطالة بين الشباب ارتفعت بعد الانخفاض الحاد في عدد فرص العمل، وتزامنه مع تسريح عدد كبير من العمال نتيجة ضعف المردود.
ويتابع: " هذا بدوره زاد من حجم الضغوط الاجتماعية على الأسر، التي فقدت مصدر دخلها أو تقلص دخلها بشكل كبير".
محاولات حكومية خجولة وغير كافية.
الحكومة السورية لم تقف مكتوفة الأيدي، حيث واجهت مشكلة سعر الصرف المتغير، محاولة كبح ارتفاع سعر الدولار، عبر عدة سياسات، أبرزها تحديد سعر صرف رسمي لليرة، وتشديد الرقابة على المنصات غير الرسمية التي تتناول معلومات وشائعات حول الدولار، إضافة إلى حثها المواطنين على متابعة وسائل الإعلام الموثوقة والسوق الرسمية.
إجراءات جيدة من حيث الشكل، إلا أن تطبيقها واجه جملة من الصعوبات مع وجود فجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء، ما جعل السوق الموازية تستمر في تحديد الأسعار الفعلية.
" أبو العلاء"، تاجر أجهزة إلكترونية من بانياس، يشير إلى أن مراكز الجملة والاستيراد تضع تسعيرتها وفق سعر صرف أعلى من المعلن رسميا، ما يجعل الأسعار مختلفة بين تاجر وآخر.
ويقول: " الشهر الماضي، كان سعر الصرف المعلن 11 ألف وخمسمئة ليرة، لكن كنا نحسب سعر الهواتف واللابتوبات باعتبار سعر صرف 12 ألف ليرة، كما هو محسوب علينا".
من جهته، يستغرب" أبو عيسى"، تاجر جملة في اللاذقية، كيف يتغير سعر الصرف بين ليلة وضحاها، مؤكدا أن الأسعار يتم تعديلها كل يوم.
ويردف: " يكاد لا يمر يوم واحد إلا ويتغير سعر الصرف، وعندما نطالب الزبائن بسعر مختلف عن الشائع بالسوق، يتهموننا بالغش.
تثبيت سعر الصرف ضرورة برأيي، لأن تغيره المستمر يعود علينا بالخسارة".
في فترة حكم النظام المخلوع، كان الموظف يتقاضى راتبه الثابت بالليرة السورية رغم ارتفاع الدولار وتقلب سعره المستمرين، ما تسبب بإرهاق كبير للموظفين وتراجع حاد في قيمة الرواتب الشرائية.
واليوم، يتساءل كثيرون عن السبب الذي يدفع الحكومة الحالية للاستمرار بنفس النهج، مطالبين بتثبيت الرواتب بالدولار، كي تتم حماية الموظف من تأثير سعر الصرف.
تقول" بشرى"، وهي معلمة في اللاذقية، إن راتبها بعد الزيارة أصبح مليون ليرة، أي ما يعادل مئة دولار عند صدور قرار الزيادة، مشيرة إلى أنها لم تعد تتقاضى حاليا أكثر من 85 دولارا بعد ارتفاع الدولار إلى 11700 ليرة.
سعر صرف الدولار ليس مجرد رقم يتغير، بل معاناة تتغلغل في الحياة اليومية، لتضع التاجر أمام اختبارات صعبة، والصناعي أمام تحديات كثيرة، والمواطن أمام قلق مستمر.
لذا، يحتاج الوضع في سوريا إلى سياسات فاعلة ورؤية واضحة للخروج من حلقة التقلبات المستمرة في سعر الصرف، ويتطلب إصلاحات تشمل تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم القطاعات الإنتاجية بكل أحجامها، والعمل على استقرار السياسات النقدية وتعزيز الثقة بالسوق الرسمية.
وتكمن الخطوة الأبرز في التعاون بين كل القطاعات والمؤسسات، بغية إيجاد حلول عملية تعزز القدرة الشرائية للفرد، وتسهم في توفير بيئة مستقرة للتجار والمستثمرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك