يطلّ علينا ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران» كمن يضيء مصابيح في دهاليز الذاكرة، باحثًا عن وجوه غابت خلف ستائر النسيان.
ليس الكتاب مجرد سرد لتاريخ ثورة 1919، بل هو محاولة لاستعادة نبضها الإنساني، حيث يخرج من بين الصفحات صوت الذين لم تُكتب أسماؤهم على جدران المجد، لكنهم حملوا عبء الحرية على أكتافهم.
يضع الشيمي القارئ أمام حقيقة قاسية: أن التاريخ ليس بريئًا، بل هو اختيار وانتقاء، وأن النسيان قد يكون أحيانًا أكثر قسوة من القهر نفسه.
في سرده، تتحول الثورة إلى فسيفساء من الحكايات الصغيرة، حيث نجد حميدة خليل ورفاقها، أبطالًا بلا تماثيل، لكن بذاكرة تستحق الإنصاف.
اللغة هنا ليست جافة ولا تقريرية، بل مشبعة بروح الصحافة التي تعرف كيف تلتقط التفاصيل، وروح الأدب الذي يعرف كيف يمنحها حياة.
يكتب الشيمي وكأنه يفاوض القارئ على إعادة الاعتبار، فيجعل من كل سطر دعوة إلى مواجهة النسيان، كما أنه يؤرخ في نفس الوقت لفترة تضاربت فيها المعلومات وسقط من ذاكرتها شخصيات كان لها دور محوري غير عادي في هذه الأحداث الملتهبة من تاريخنا الوطني.
يتعامل ياسر الشيمي مع سِيَر المنسيّين بوصفها مشروعًا بحثيًا جادًا، لا مجرد حكايات إنسانية مؤثرة.
فهو يتتبّع مساراتهم قبل الثورة وأثناءها وما تلاها، خاصة ما تعرّضوا له من تهميش أو قهر بعد خروجهم من المعتقلات، مستندًا إلى منهج يجمع بين الصرامة الأكاديمية والحسّ الاستقصائي.
يعتمد الكاتب على طيف متنوع من المصادر: وثائق مكتوبة، أرشيف صحفي معاصر للأحداث، ومرويات شفهية نقلها أقارب هؤلاء الفاعلين.
هذا التنوع لا يُستخدم للتكثير الكمي فحسب، بل للمقارنة والتحقّق وتفكيك الروايات الشائعة.
لذلك يبدو النص حريصًا على التحرّي، متجنّبًا إعادة إنتاج المعلومات المتداولة دون تمحيص.
وتظهر قيمة هذا النهج في المواضع التي يعيد فيها ضبط تواريخ أو وقائع التبس تداولها، كما في ما أورده بشأن استشهاد حميدة خليل أو في تتبّعه لمسار مصطفى ماهر أمين، حيث لا يكتفي بالنقل بل يمارس دور المصحّح للرواية التاريخية.
أما على مستوى البناء، فيسير العرض وفق منطق يراعي موقع كل شخصية داخل السياق الثوري.
فالبدء بسيرة عبد الرحمن فهمي بوصفه أحد محرّكي الثورة يمنح السرد نقطة ارتكاز واضحة، قبل الانتقال إلى شخصيات مثل القمص سيرجيوس ثم الشيخ القاياتي، في تسلسل يبرز تشابك الأدوار بين الفاعلين الدينيين والسياسيين والاجتماعيين.
ويُضيف الشيمي إلى هذا البناء عنصرًا سرديًا لافتًا، عبر استخدام ألقاب ورموز كانت متداولة في زمن الثورة.
هذه العناوين لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، بل تستعيد مناخ اللحظة التاريخية نفسها، حيث كان الرمز أحيانًا وسيلة للحماية وأحيانًا أخرى أداة للتأثير الشعبي.
وهكذا يتحول التشويق إلى جزء من المنهج، لا مجرد إضافة أسلوبية.
«متاهة النكران» كتاب يترك أثرًا مزدوجًا: متعة القراءة من جهة، وقلق السؤال من جهة أخرى.
فهو لا يكتفي بأن يروي، بل يطالب القارئ بأن يعيد التفكير في معنى البطولة، وفي عدالة الذاكرة، وفي حق المهمّشين أن يكونوا جزءًا من الحكاية الوطنية.
في النهاية، لا يمنح ياسر الشيمي صكوك غفران للتاريخ، بل يقدم خارطة طريق للخروج من تيه النكران.
إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط فيما كشفه من أسرار الماضي، بل في قدرته على تحويل القارئ من متفرج صامت إلى شاهد مستنير، يدرك أن الحكاية الوطنية لا تكتمل إلا بإنصاف أصغر جنودها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك