يمثل كتاب “الحركة الإسلامية في السودان: التطور والنهج والكسب” للدكتور حسن الترابي، والصادر في عام 1989، مادة معرفية غنية تتجاوز الصراع السياسي المباشر لتستقر في خانة التوثيق الفكري لواحد من أبرز رموز الفكر الإسلامي والسياسي الذين أنجبتهم الدولة السودانية في العصر الحديث.
وبغض النظر عن مساحات الاتفاق أو الاختلاف مع أطروحاته، فإن هذا المؤلف يظل مرجعاً لا غنى عنه لفهم العقلية التي هندست واحدة من أعقد التجارب الحركية في المنطقة؛ فقد كتب الترابي هذا المؤلف في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، مما جعل الكتاب يمزج بين “زهو” الإنجاز السياسي وبين “المنهجية” التنظيرية التي عُرف بها الرجل كأكاديمي ومفكر قانوني بارع.
تبدأ القيمة المعرفية للكتاب من رصده لرحلة التحول من “الجماعة النخبوية” التي نشأت في دهاليز جامعة الخرطوم لمقارعة المد اليساري، وصولاً إلى “الدولة” بمؤسساتها العسكرية والاقتصادية.
لكن التميز الحقيقي في قراءة الترابي يكمن في خروجه عن الأطر التقليدية للحركات الإسلامية في محيطنا الإقليمي؛ فقد أرسى دعائم استقلالية تنظيمية مكنت الحركة السودانية من تطويع الفقه ليلائم واقعاً اجتماعياً شديد التعقيد، وهو ما أسماه “الفقه الواقعي” أو “فقه الضرورة”.
هذا النزوع نحو التجديد لم يتوقف عند حدود السياسة، بل اقتحم مناطق كانت تُعد “محرمات فكرية” لدى أقرانه، مثل ملفي الفنون وقضايا المرأة.
فقد قدم الترابي في ثنايا الكتاب رؤية حداثية لدور المرأة، لم تنطلق من باب الترضيات السياسية، بل من رؤية تأصيلية تعتبر انخراطها في الفضاء العام والعمل التنظيمي والبرلماني ضرورة شرعية وحضارية، محاولاً بذلك كسر قيود التقليد التي كبلت المجتمع.
وفي السياق ذاته، تعامل مع الفنون كقيمة جمالية وإيمانية، ساعياً لاستيعاب التعبير الإبداعي من شعر ومسرح وغناء داخل المشروع الإسلامي بدلاً من التصادم معه، مما عكس مرونة فكرية نادرة في تيار الإسلام السياسي آنذاك، واحتفاءً بالعقل المبدع أياً كان مشربه.
ومع ذلك، فإن هذا الاحتفاء بالعقل والتجديد الفقهي في المنظور النظري يضعنا اليوم أمام تساؤل جوهري حول “إدارة التنوع”؛ فبينما برع الترابي في تطويع الفقه ليناسب الواقع، إلا أن التطبيق السياسي لمشروعه غالباً ما أغفل ضرورة الاحترام العميق للتعددية الثقافية والعرقية والدينية التي تشكل جوهر الهوية السودانية.
لقد كان المشروع في تنظيره ذكياً وحداثياً، لكنه في الممارسة افتقر إلى الآليات التي تضمن استيعاب التنوع السوداني الفريد، مما جعل “الفقه الواقعي” يبدو في أحيان كثيرة وكأنه فقه لإدارة الغلبة السياسية لا فقه لتعزيز التعدد الثقافي، وهو ما يمثل الفجوة الكبرى بين بريق النظرية وإكراهات الواقع.
وفي وقت متأخر، أقر الترابي لاحقاً (في حوار عام 2005) بأن الحركة الإسلامية “لم تقرأ التاريخ جيداً” عندما أقدمت على الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري، وهو ما اعتبره باحثون أول انتهاك لمبادئ الديمقراطية التي بشر بها في تنظيره الفكري.
إن إعادة قراءة هذا المؤلف اليوم، بعيداً عن ضجيج الاستقطاب الراهن، تضعنا أمام تجربة “ذكاء حركي” استثنائية استطاعت توظيف الثقافة المحلية في خدمة الأيديولوجيا، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن المأزق التاريخي الذي يواجه أي فكر عندما ينتقل من سعة النظرية إلى ضيق ممارسة السلطة.
يظل كتاب الترابي، كإنتاج فكري سوداني خالص، مرآة لمرحلة هامة من تاريخنا، تفرض علينا تأملها بعين الناقد الذي يسعى لفهم جذور التحولات الاجتماعية والسياسية، بتقدير لمكانة الرجل كأحد أعمدة الفكر الإسلامي السوداني المعاصر الذين أثاروا من الأسئلة الجوهرية أكثر مما قدموا من إجابات جاهزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك