تصاعدت مؤخرا التصريحات والبيانات الدولية منددة بما استجد، وإن يكن ذلك ملازما للحرب الجارية في السودان منذ ثلاث سنوات؛ من انتهاكات اتسعت دائرتها، ما أوقع المزيد من الضحايا المدنيين واستهداف قوافل الإغاثة الإنسانية في المناطق التي يشتد فيها القتال، بين الجيش والدعم السريع في غربي البلاد.
ولكن اللافت أن هذه الإدانات جاءت من جهات ودول ظلت محتفظة في سياستها تجاه ما يجري، وإن كانت أدوارها الخفية موجودة ومؤثرة بشكل ما، ما جعل من اختلاف الآراء والتحليلات أن ترجح الحذر الدبلوماسي أو المواقف غير المعلنة في المسافة بينها وأطراف الحرب باعتبارها حربا تدخلت فيها الأطراف الخارجية بالدعم، أو المشاركة الفعلية أو الإسناد على الساحة الدولية حيث المنصة الدبلوماسية للحرب.
ولكن أن تختلف لغة الإدانات، كما جاء في بيان صادر مؤخرا من دولة في حجم المملكة العربية السعودية، لا بد أن تشير إلى انتقال ملف الصراع إلى مرحلة، لم يعد تجدي معها الأساليب المجربة في إدارة ملف الصراع، والمفاوضات، خاصة أن المملكة تعد الدولة الأهم في مسار الصراع التفاوضي بتأثيرها السياسي وثقلها في المنطقة، ولتقديمها لأولى المبادرات برعايتها لمنبر جدة لمفاوضات السلام، بعيد اندلاع الصراع، مع مشاركة أمريكية لتأخذ صفة الرعاية الثنائية (المبادرة السعودية- الأمريكية).
فما جاء في بيان الخارجية السعودية من إدانتها واستنكارها الصريح، يشيران إلى حث جميع الأطراف للتصرف بمسؤولية تتجاوز انتهاكات الحرب، إلى التقيد بالالتزامات القانونية والشرعية، أو ما أطلقت عليه الالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني، في تأمين وصول المساعدات الإغاثية إلى مستحقيها: وفقا للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في إعلان جدة (الالتزام بحماية المدنيين في السودان) الموقّع بتاريخ 11 مايو 2023، كما جاء في نص البيان.
والإشارة إلى إعلان جدة في البيان تضمن تذكيرا بمبادرة ضمن مبادرات عدة، ربما تناسها طرفا الحرب أو لم تعد التزاماتها حاضرة في أجندة طرفي النزاع والباب يظل مفتوحا لعدم انتقاء السبب الذي قامت من أجله.
ومن المنطقي أن تستدعي الحرب بواقع فظاعاتها الإنسانية، إدانات من المنظمات الدولية والإنسانية والدولية، على أوسع نطاق، تبعتها قرارات من مؤسسات العالم الأممية، في قرارات مجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأوروبي والمحكمة الجنائية، بالدعوة إلى وقف الحرب، خاصة فيما يتعلق بالمدنيين والحصار، وحالات القتل المروعة خارج نطاق القانون.
وبطبيعية الحال فإن الجانب الداخلي بمكوناته السياسية والمدنية كافة، استنكر وطالب بوقف الحرب، مدينا الطرفين ومحملهما مسؤولية ما يجري.
ولكن لم تكن لهذه الإدانات من وسيلة تجعل من مطالبها فاعلة منفذة، ثم إن طرفي الصراع كثيرا ما يتجاهلان مثل هذه الإدانات؛ الأمر الذي جعل من هذا الإدانات تماثل بيانات وتصريحات جامعة الدول العربية في الشجب والإدانة، عند تعاملها مع وقائع الأزمات العربية في فلسطين والعراق واليمن وليبيا وسوريا.
وربما اختلفت ردود الأفعال تجاه بعض الإدانات الصادرة، ما بين الصادرة عن مؤسسات ذات إجراءات بيروقراطية وبلا تأثير مباشر، والتي تصدر عن دول يكون لديها من النفوذ ما يؤثر في مجريات الأمور سلبا أو إيجابا.
والمشكلة أن طرفي الصراع يستمدان قوتهما من مواقف وأطراف دولية معروفة، يتفاوت حجم حصتها في الصراع، بين دعم وتدخل مباشر، وأخرى تساند وتدعم باستخدام الضغط على أطراف ومؤسسات دولية، بحكم موقعها وقربها من مراكز القوى الدولية.
وهذا التأثير الواسع يرغم الطرفين بالاستمرار على تتبع السياسات الموجهة لسير الحرب، أكثر من دواعي إيقافها استجابة لضرورات الواقع.
ثم إن الطرفين اعتمدا على المناورة في تجاوز الإدانات في جرائم أحدثتها الحرب، بما يدين كل الأطراف، وهذه المناورة أخطر ما قامت به لإطالة عمر الحرب وتجاوز المعايير الأخلاقية.
فالقوة العسكرية غدت الوسيلة الأوحد في تصور نهايات الحرب انتصارا وقيادة للعملية السياسية على مخرجاتها، حتى في عدم وجود تفويض لسلطة تملك من الشرعية ما يمكنها من تحمل نتائج حرب غير محدودة في نطاق تدميرها وتهديدها الوجودي لسيادة البلاد.
وقادت هذه الثنائية بين الطرفين إلى تبنى الإدانات نفسها التي تخدم أغراض طرف منهما، باستخدامها في تبرير ما يقوم به من عمليات عسكرية وبالتالي تقديم خطاب سياسي في الأروقة الدبلوماسية مستشهدا بهذه الإدانات.
وإن أغلب الإدانات الدولية منها والإقليمية ـ بغض النظر عن فاعليتها- صدرت ضد حزمة من الانتهاكات المرتكبة من جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحروب ومعاملة الأسرى واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها، ما يعكس طبيعة الحرب ومدى توحشها وافتقار قادتها من الطرفين إلى أدنى درجات الحس الإنساني، أو الإلمام بأن للحرب قيودا تفرضها وتؤسس لإدارتها قوانين ومواثيق دولية واتفاقيات، وقع عليها السودان تحرم استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وغيرها مما يتم تجاوزه في الحروب، خاصة الأهلية منها كالحرب الجارية في السودان.
والغريب أن يظل استمرار انتهاج سياسات الحرب وأساليبها في مخالفة عنيدة، لكل ما يمكن أن يعتبر خرقا أو انتهاكا لحقوق تكلفها اتفاقيات ومنها تنبثق الإدانات للتذكير بها.
وهذا التصرف غير المكترث للتبعات التي يمكن أن تتداعى من مسؤوليات لديها تكلفتها القانونية في جرائم لا تسقط بالتقادم بتفسير مدونة قوانين جرائم الحرب.
ويأتي المسار الدبلوماسي تعبيرا عن إدانات، ولكن عادة ما يمثل سياسات الدولة المعنية عن الإدانة بطرق رسمية، بما يوحي بقوة ما يتم التعليق بشأنه.
فقد طرحت أزمة السودان كقضية مقلقة بالتعبير الدبلوماسي، اختلف فيها التوصيف والشرح من أسوأ كارثة إنسانية إلى قضية مطروحة للنقاش على مستوى الدول الدائمة الأعضاء بالمجلس الدولي، وغيرها من أوصاف تحمل أحيانا إدانات مخففة لما يجري من وقائعها كحرب مستمرة تتزايد انقساماتها يوما بعد آخر.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد مجددا للتأكيد على عزمه إنهاء حرب السودان، كما أنهى تسع حروب، على حد تعبيره، دون أن يحدد استراتيجيته حول كيفية إنهائها، إلا أن هذا التصريح متعدد الأوجه تتلقفه الأطراف المعنية بتفسيرات مختلفة، إن لم تكن بمشاعر متناقضة.
ولأن التصريح على مستوى الرؤساء يختلف عما عداه من بيانات بيروقراطية ينظر إليه دون اهتمام كاف.
وتمثل العقوبات الاقتصادية التي ظلت تتنزل بانتظام بحق الطرفين، ومؤسسات تتبع لهما وشخصيات لديها دور بارز في الحرب، ضمن سياسيات الإدانات المستمرة مضافا إليها شركات أجنبية، متهمة بتمويل مصادر الحرب ورغم محدودية تأثيرها في الداخل السوداني، إلا أنها تبقى أكثر تأثيرا من سيل الإدانات السياسية ولغتها الدبلوماسية.
فاختلاف الوسائل والأدوات المستخدمة من قبل الدول والجهات المعنية بأزمة البلاد، كان مؤداه اختلاف نتائجها على الأرض بين جهات سعت وتسعى إلى تنفيذ أهدافها الاستراتيجية بالمعني الجغرافي، بما يفهم منه دعما للاتجاهات الانفصالية، أو بما يعرف دارجيا بمؤامرة التقسيم، وأخرى تدعم بدعوى المحافظة على وحدة البلاد بدعم الجيش والحكومة الحالية، دون أن تتخلي عن مصالحها التي يشكل الجيش ضامنها الأوحد، بمنطق السياسة الواقعية وضعف الموقف السيادي للسلطة في زمن الحرب.
وقياسا على عدد القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي، وقبلها الإدانات التي بلغ مجموعها السبع، وغيرها من التصريحات الرئاسية والبيانات الصحافية لعدد من الدول والمؤسسات، إلا أنها بقدر ما أشارت إلى حجم المأساة الإنسانية، أوضحت عجز هذه المؤسسات عن حمل الأطراف المتقاتلة على الاستجابة للقرارات الأممية، أي تكون هرميتها التراتبية في سياق النظام الدولي ومؤسساته بشرعيتها الدولية المنصوص عليها في بنود ووثائق المنظمة الدولية.
فإن استمرار الجيش والدعم السريع في مواصلة قتالهما، دون الإصغاء إلى ما يصدر من العالم سيؤدي بالنتيجة إلى تطور هذه الإدانات والتصريحات إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة تصحبها قوة مؤثرة وبنص البنود التي تجيز ذلك أكثر من بلاغات التصريحات الدبلوماسية.
نشر بصحيفة القدس العربي اللندنية# السبت 14 فبراير 2026م.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك