في أرضٍ أنهكها النزيف الطويل، حيث تتقاطع الذاكرة مع الجراح، يظل اسم القبيلة يتردد كظلٍ ثقيل على كل خطوة في جنوب السودان.
ليس لأن القبيلة هي أصل البلاء، بل لأنها تحولت إلى مرآة مشروخة يرفعها السياسيون أمام الناس ليُخفوا خلفها وجوههم الحقيقية.
القبيلة هنا ليست بيتاً دافئاً ولا رابطة دمٍ بريئة، بل قناعٌ يُستعمل لتغطية صراعٍ أعمق، صراعٍ حول السلطة والثروة، حول النفط الذي صار لعنةً بدل أن يكون نعمة، وحول مستقبلٍ يُباع في سوق الولاءات.
السياسيون الذين يعرفون هشاشة عروشهم، يلوذون بخطاب القبيلة كما يلوذ الغريق بخشبة.
يضخمونها، يزرعون الخوف في النفوس، ويحوّلونها إلى سلاحٍ يُشهر في وجه الجماهير.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: الفلاح الذي لا يجد قوت يومه، والعامل الذي يُزاح عن عمله، والنازح الذي فقد أرضه، كل هؤلاء لا يعانون لأنهم ينتمون إلى قبيلة بعينها، بل لأنهم يعيشون تحت سلطةٍ تنهب مواردهم وتتركهم في العراء.
القبيلة هنا تُستغل مرتين: مرة لتقسيم الناس، ومرة لتبرير استمرار النهب.
الوعي الجديد يبدأ حين يدرك الناس أن الجوع لا يسأل عن القبيلة، وأن النزوح لا يفرّق بين الناس، وأن البطالة لا تعرف حدود الانتماء.
يبدأ حين يُكشف القناع، حين يُقال بوضوح إن العدو ليس الجار الذي ينتمي إلى جماعة أخرى، بل النخب التي تكدّس الثروة وتترك الجماهير في الفقر.
هذا الوعي لا يولد من الكتب وحدها، بل من التجربة اليومية، من ربط الجوع بالفساد، والنزوح بالنهب، والبطالة بالسيطرة على النفط.
حين يُقال هذا بصوتٍ عالٍ، يصبح من الممكن أن تتشكل وحدة جديدة، وحدة تقوم على المصالح المشتركة لا على الدم.
لكن الطريق محفوفٌ بالعقبات.
النخب لن تتخلى عن أدواتها بسهولة، وستواصل النفخ في نار القبيلة لتقسيم الناس.
لذلك، فإن فضح هذه الأيديولوجيا يصبح مهمة وجودية.
الإعلام، التعليم، والحوارات الشعبية يمكن أن تكون أدوات لكشف كيف يُستعمل الانتماء القبلي كقناعٍ يخفي التناقضات الحقيقية.
حين يُكشف هذا القناع، يصبح من الممكن أن يرى الناس أن الصراع الحقيقي ليس بين الجماعات، بل بين قلةٍ تستفيد من الريع النفطي وكثرةٍ تُستغل وتُهمش.
إن الأزمة في جنوب السودان ليست أزمة هوية، بل أزمة عدالة.
القبيلة ليست سبب الأزمة، بل أداة تُستعمل لإدامة السيطرة على الموارد والسلطة.
لذلك، فإن إعادة تعريف الصراع من صراعٍ قبلي إلى صراعٍ اجتماعي واقتصادي هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة جديدة.
دولة لا تقوم على توازنات هشة، بل على عقدٍ اجتماعي جامع.
هذا التحول يحتاج إلى شجاعة فكرية وسياسية، لأن مواجهة الأيديولوجيا السائدة ليست مهمة سهلة، لكنها مهمة لا بد منها.
حين نتأمل التاريخ، نجد أن تضخيم الانتماء القبلي أو الطائفي لإخفاء التناقضات الاقتصادية ليس جديداً.
لكنه في جنوب السودان أكثر خطورة، لأن الذاكرة مثقلة بالحروب والانقسامات، ولأن الدولة ما زالت في طور التكوين.
لذلك، فإن فضح هذا الاستخدام ليس مجرد عملٍ فكري، بل عملٌ لإنقاذ المستقبل.
فالدولة التي تُبنى على أساس الانقسام القبلي محكوم عليها بالتفتت، أما الدولة التي تُبنى على أساس العدالة والمساواة فلها أن تصمد.
الوعي الجديد يجب أن يكون إنسانياً قبل أن يكون سياسياً.
يجب أن يُظهر أن الفقر والجوع والنزوح لا يميز بين جماعة وأخرى، وأن المعاناة مشتركة.
حين يُدرك الناس أن معاناتهم واحدة، يصبح من الممكن أن يبنوا وحدة جديدة تتجاوز الانقسامات.
هذه الوحدة يمكن أن تكون أساساً لبناء دولة تقوم على العدالة، لا على النهب.
لكن هذا يتطلب أن يتحول الخطاب السياسي من خطابٍ قبلي إلى خطابٍ اجتماعي، وأن تُبنى الحركات الشعبية على أساس المصالح المشتركة، لا على أساس الدم.
خلاصة القول إن القبيلة في جنوب السودان ليست سبب الأزمة، بل أداة تُستعمل لإدامة السيطرة على الموارد والسلطة.
خلق وعي جديد يتطلب فضح هذا الاستخدام، وبناء وحدة جديدة تتجاوز الانقسامات.
الصراع الحقيقي ليس بين الجماعات، بل بين النخب المستفيدة من الريع النفطي والجماهير التي تُستغل وتُهمش.
حين يُدرك الناس هذا، يصبح من الممكن أن يبنوا دولة جديدة، دولة تقوم على العدالة والمساواة، لا على الاستغلال والنهب.
هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه جنوب السودان، وهذا هو الطريق الذي يمكن أن يقود إلى مستقبلٍ أفضل، مستقبلٍ لا تُستعمل فيه القبيلة كقناعٍ يخفي الحقيقة، بل كجزءٍ من تنوعٍ يُغني الجماعة بدل أن يُمزقها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك