50 دقيقة مضتزهير عثمان حمد83 زيارة 48 دقيقة مضت يوم واحد مضت يومين مضت زهير عثمانzuhair.
osman@aol.
com كل ما اشتدّ أوار الحرب، يطلع لينا بعض سدنة السياسة بخطاب جديد، آخر صيحاتو كان مصطلح “دولة الركام” ومنهم عصمت الديسيس، الذي اختار أن يختزل السودان كله في صورة كوم طوب وغبار“دولة الركام” عبارة براقة، تصلح عنوانًا لندوة أو مانشيت مثير.
لكن هل هي تحليل؟ أم مجرد نواح سياسي بنغمة عالية؟ البلد نعم منهكة و المؤسسات متضررة و الاقتصاد في الحضيض و لكن تحويل المأساة إلى توصيف نهائي للدولة نفسها فيه قدر من التبسيط المخل، بل والكسل الفكريأولاً- حين يتحول التحليل إلى استعراض لغوي“دولة الركام” بتختصر المشهد في الصورة الظاهرة: بيوت مهدومة، شوارع خاوية، دواوين حكومية مشلولةلكن الدولة ليست جدرانًا فقط.
الدولة شبكة علاقات سلطة، شرعية، مجتمع، ومؤسسات حتى وهي في أسوأ حالاتهاالذي يحدث في السودان ليس موت الدولة، بل صراع دموي على من يملكهاالبلد دي حقت منو؟ منو البحدد شكلها؟ ومن الذي يملك شرعية الحكم فيها؟ اختزال هذا الصراع المعقد في كلمة “ركام” هروب من مواجهة الأسئلة الأصعب وثانياً المجتمع ليس خردة سياسيةلو كان السودان “ركامًا” كاملًا، لما رأينا لجان الطوارئ تملأ الفراغ، ولا شبكات التضامن الأهلي تتوسع، ولا النقاش السياسي يستمر رغم الرصاصالناس دي ما عايشة في فراغ وكمان ما استسلمتوما قالت البلد انتهتالمجتمع السوداني، رغم الضربات، لسه بينظم نفسو و لسه مختلف و لسه بيفاوض على معنى الدولة والاختلاف ذاته دليل حياة، لا دليل انهيارثالثاً خطورة خطاب الركامالمشكلة ما في البلاغة بس المشكلة في الأثر السياسيلما تقول للناس إنهم يعيشون في “دولة ركام”، فأنت عمليًاتضعف فكرة الشرعية المدنيةتفتح الباب لتبرير الوصاية الخارجيةوتسوّغ أي مشروع “إنقاذي” فوقي بحجة أن البلد انتهتالخطاب ده ممكن يتحول من غير قصد إلى غطاء نظري لإعادة إنتاج الاستبداد، أو لشرعنة تدخلات بحجة إعادة البناءالركام الحقيقي ما في الطوبالركام الحقيقي في الخطاب الذي يحاول يُقنع الناس أن لا شيء يستحق الدفاعرابعاً أزمة سلطة لا أزمة وطنمنذ الاستقلال، أزمتنا كانت في من يحكم، لا في قابلية السودان ليكون دولة , الانقلابات، عسكرة السياسة، الأحزاب الهشة، الاقتصاد الموازي دي كلها أزمات إدارة وسلطة.
اللي حصل اليوم نتيجة تراكم فشل النخبةلكن الفشل الإداري ما معناه انهيار الفكرة الوطنيةفي فرق بين سقوط نظام… وسقوط دولةوفي فرق بين تعطل مؤسسات… وغياب المجتمعخامساً منو المستفيد من كلمة “ركام”؟ السؤال البسيط- من الذي يخدمه هذا الوصف؟ هل يخدم المواطن الذي يحاول إنقاذ حيّه؟ أم يخدم النخب التي تريد إعادة توزيع أوراق السلطة تحت غطاء “إعادة التأسيس”؟ الخطاب السياسي الجاد لا ينوح فقط، بل يُشخّص بدقةلا يكتفي بالصورة الصادمة، بل يغوص في البنيةالسودان اليوم مأزوم إلى أقصى حد و نعم و منهك بل ممزق وكذلك جريح , ولكن ليس دولة ركامهو دولة تُخاض عليها معركة , دولة يتنازعها السلاح والسياسة ودولة تُعاد صياغتها ربما بعنف لكن لم تُمحَ من الوجودالمانشيت الصاخب سهل , التحليل العميق أصعبوالفرق بينهما… هو الفرق بين من يصف الدخان، ومن يفهم النار التي تحرقنا وما مدي أضرارها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك