لم يكن يدور بخلد الوسط الثقافي المصري أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه على مقعد" وزير الثقافة" شخصية تطاردها أحكام قضائية تتعلق بـ" الأمانة العلمية" و" الملكية الفكرية"، إلا أن تعيين الدكتورة جيهان زكي وزيرة للثقافة فجر بركانًا من الجدل لم يهدأ منذ إعلانها وزيرة للثقافة، ليس بسبب برنامجها الوزاري، بل بسبب كتابها" كوكو شانيل وقوت القلوب.
ضفائر التكوين والتخوين"، الذي أضحى عنوانا لأكبر أزمة يشاهدها الوسط الثقافي الآن.
أزمة كتاب كوكو شانيل من البحث إلى النسخ.
بدأت القصة حين أصدرت الدكتورة جيهان زكي كتابها عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، متناولًا سيرة مصممة الأزياء العالمية" كوكو شانيل" والأديبة المصرية" قوت القلوب الدمرداشية".
سرعان ما خرجت الكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد صاحبة كتاب" اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" (طبعة 2022)، لتعلن عن صدمتها من حجم" التطابق" بين عملها وما ورد في كتاب الوزيرة.
لم تقف سهير عبد الحميد عند حدود الشكوى الصحفية، بل لجأت إلى القضاء المصري، متهمة الدكتورة جيهان زكي بالسطو على مجهودها البحثي، وبحسب تقارير لجان الخبراء التي انتدبتها المحكمة، تبين أن هناك اعتداءً صارخًا بالنسخ والنقل طال أكثر من 50% من محتوى كتاب" اغتيال قوت القلوب"، وهو ما اعتبره الخبراء تجاوزًا لحدود" الاقتباس المشروع" ودخولًا في دائرة" الانتحال الأدبي".
إعدام كتاب كوكو شانيل وتغريم 100 ألف جنيه.
وفي تطور درامي، أصدرت المحكمة الاقتصادية حكمًا قضائيًا في يوليو الماضي يقضي بـ" إعدام" كتاب جيهان زكي ومصادرته من الأسواق، مع إلزامها بدفع تعويض مالي قدره 100 ألف جنيه للكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، هذا الحكم، وضع الوزيرة، حيث تساءل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن كيف لمسؤولة عن حماية الإبداع والملكية الفكرية أن تُدان بانتهاكها لحقوق الملكية الفكرية؟ !
في المقابل، لم تستسلم الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، لهذه الاتهامات، فقد خرجت هيئة الدفاع عن الوزيرة ببيان رسمي يستعرض فيه آخر تطورات موقف جيهان زكي والنزاع المنظور أمام القضاء حول كتاب" كوكو شانيل وقوت القلوب"، ليؤكد أن ما حدث لم يكن" سرقة"، بل هو" دراسة مقارنة" استدعت الاستشهاد ببعض المقاطع مع الإشارة إلى المصدر.
ويراهن حاليًا على محكمة النقض لإلغاء الحكم، مستندًا إلى ثغرات إجرائية وفنية في تقرير الخبراء، ومؤكدًا أن النزاع لا يزال" مدنيًا" ولم يحسم بصفة نهائية باتة.
قال بيان هيئة الدفاع: في ضوء ما أُثير مؤخرًا من جدل بشأن النزاع المنظور أمام القضاء حول كتاب" كوكو شانيل وقوت القلوب" واللغط الذي أثارته منشورات على صفحات التواصل الاجتماعي استنادًا لما تنشره مؤلفة كتاب" قوت القلوب الدمرداشية"، وأمور أخرى، يتعين توضيح ما يلي:
أولًا: أن الدكتورة جيهان زكي هي عالمة مصريات ذات سمعة دولية ويشار إليها بالبنان في محافل البحث العلمي لعلوم المصريات، والتي تتطلب الكثير من التدقيق والتروي والبحث العلمي السليم وأن يكون النقل مسندًا غير مجهل ومن غير المتصور أن تقع مثل هذه القامة في خطأ عدم نسبة نص أدبي إلى كاتبه عند الاستعانة به، وهي التي تعلّم طلابها بضرورة عدم الوقوع فيه.
ثانيًا: عند تناول شخصية قوت القلوب في مؤلفها، استقت الدكتورة جيهان زكي — وكما هو متعارف عليه أكاديميًا — معلوماتها من مصادر متعددة، منها مكتبة الأهرام، روز اليوسف، دار الهلال وغيرها، بالإضافة إلى كتب أخرى تناولت سيرة قوت القلوب من قبل.
ثالثًا: إن العمل المشار إليه قد تم إعداده في إطار من الالتزام بالقواعد المنظمة لحقوق الملكية الفكرية، واستنادًا إلى ما تقرره أحكام القانون، والتي تجيز الاقتباس في الحدود المشروعة وبما لا يخل بحقوق المؤلف، مع الإشارة إلى المصدر.
رابعًا: تؤكد الدكتورة جيهان زكي على الاحترام الكامل لأحكام القضاء، وأنها عندما تبدّى لها وجود ثغرات غير مبررة في الدفاع عن موقفها خلال المرحلة الأولى من نظر القضية، اتخذت قرارها بتبديل محامي الدفاع للمضي في نقض الحكم الصادر ضدها، وحيث إنها حاليا في انتظار نظر محكمة النقض في الطعن المقدم.
(يشار هنا إلى أن الحكم الصادر بتاريخ 9 يوليو 2025 يعد بطبيعته استئنافيًا حيث إن الدعوى المقامة كانت غير مقدرة القيمة، مما يتيح اللجوء إلى محكمة النقض لنقض الحكم).
خامسًا: أما فيما يتعلق بما سبق ونشره على أحد المواقع الالكترونية (الذي تبين أنه يبث من خارج البلاد) من إساءات معظمها يصنف تحت بند الخوض في الأعراض والسب والقذف والتشهير وتستدعي اللجوء إلى اتخاذ الإجراءات القانونية الفورية إزاء كل من يعيد نشر تلك الإساءات كليًا أو جزئيًا بأي شكل كان باعتبارها جرائم معاقب عليها بموجب المواد أرقام (25، 26، 27) من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وكذا المواد أرقام (302، 303، 308) من قانون العقوبات المصري.
اختتم البيان: نهيب برواد مواقع التواصل الاجتماعي تحري الدقة والموضوعية، وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تهدف للإثارة والبلبلة ونشدد على أننا لن نتهاون في استخدام حقنا القانوني وما يتطلب من إجراءات.
في ظل هذه التطورات، تبقى القضية معلقة أمام محكمة النقض، التي ستقول كلمتها الفصل في هذا النزاع الشائك، لكن بغض النظر عن الحكم النهائي، فإن الأزمة قد ألقت بظلالها على المشهد الثقافي المصري، وفتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات عديدة يطرحها المثقفون والمهتمون بالشأن العام منها كيف ستتعامل المؤسسات الثقافية الرسمية مع قضايا الملكية الفكرية والانتحال الأدبي في المستقبل؟ وهل ستؤثر هذه القضية على ثقة الجمهور والمبدعين في وزارة الثقافة كجهة راعية وحامية للإبداع؟هذه التساؤلات، وغيرها الكثير، تنتظر إجابات واضحة وصريحة، ليس فقط من أروقة المحاكم، بل من صناع القرار الثقافي أنفسهم، لبناء حركة ثقافية مزدهرة، قادرة على الإسهام بفاعلية في تشكيل الوعي وخدمة المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك