(المستشار الإعلامي لجامعة أسوان).
لم تعد معركة الوعي ترفًا فكريًا أو شأنًا ثقافيًا هامشيًا، بل أصبحت واحدة من أخطر المعارك التي تخوضها الدول في زمن تتبدل فيه أدوات الصراع، وتتنوع فيه أساليب الاستهداف.
وفي الحالة المصرية، تتضاعف خطورة هذه المعركة إذا ما أدركنا أن فئة الشباب تمثل نحو 60٪ من نسيج المجتمع، بما تحمله من طاقة هائلة قادرة على البناء كما قد تكون حال غياب الوعي، مدخلا للهدم.
ومن هنا، يتضح بجلاء سبب الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة السياسية بملف الوعي لدى الشباب، إدراكا، لايغفل أن حماية الوطن لا تبدأ من الحدود فقط، بل من العقول أولًا.
فالدولة التي لا تحتصّن وعي أبنائها، تترك أبوابها الخلفية مفتوحة أمام محاولات التشكيك والتضليل وبث الإحباط وفقدان الثقة.
وقد جاءت الندوة التثقيفية، والتي عقدت بأسوان حول التهديدات التي تواجه الأمن القومي المصري، وحاضر فيها اللواء الدكتور سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والعسكري ومحافظ الأقصر الأسبق، لتضع اليد على جوهر القضية، وتؤكد أن ما تمر به مصر من تحديات يستوجب وعيًا جمعيًا قادرًا على قراءة المشهد وفهم أبعاده، بعيدًا عن الشعارات السطحية أو الانسياق خلف الشائعات.
فالتهديدات المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على القوة الصلبة، بل باتت تستخدم أدوات أكثر خبثًا، تستهدف الروح المعنوية، وتعمل على تفكيك الثوابت، وتشويه الرموز، وإرباك الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
وهنا يبرز الدور التاريخي للقوات المسلحة المصرية، التي لا تكتفي بحماية الحدود وصون الأرض، بل تشكل درعًا وطنيًا يحمي استقرار الدولة في مواجهة مخاطر مركبة ومعقدة.
غير أن أخطر ما يواجه الوعي لدى قطاع من الشباب يتمثل في القطيعة المتزايدة مع القراءة الجادة والمعرفة العميقة، في مقابل الانغماس غير المنضبط في فضاء رقمي مفتوح، تختلط فيه الحقيقة بالزيف، وتُمرر من خلاله أفكار مغلوطة في ثوب جذاب، في مشهد يشبه إلى حد بعيد «دس السم في العسل».
فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم أهميتها، تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات لبناء وعي هش، سريع الانفعال، ضعيف التحليل.
ومن هذا المنطلق، تصبح الندوات التثقيفية إحدى أدوات المواجهة الضرورية، لا بوصفها فعاليات عابرة، بل كمسار دائم لبناء العقل النقدي وتعزيز الانتماء الوطني.
فالتوعية يجب أن تمتد إلى مراكز الشباب، وقصور الثقافة، والمكتبات العامة، والجامعات، لتخاطب المواطن قبل أن تخاطب الطالب، والإنسان قبل أن تخاطب الفئة العمرية.
إن معركة الوعي هي معركة بقاء، والانتصار فيها لا يتحقق إلا بإرادة دولة، ووعي مجتمع، وإيمان راسخ بأن مصر ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل قيمة حضارية وتاريخية تمثل قلب العالم النابض.
وحين يدرك الشباب هذه الحقيقة، يصبحون خط الدفاع الأقوى، وحائط الصد الأول في مواجهة كل من يستهدف هذا الوطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك