في الثالث من مايو/أيار 2024، بعد أن أكدت الولايات المتحدة وجود قوات أمن روسية في نفس القاعدة الجوية التي توجد بها قوات أمريكية في النيجر، اتفق المسئولون الأمريكيون والمجلس العسكري الحاكم على انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من النيجر، غير أن هذا الانسحاب، ورغم ما مثله من خسارة استراتيجية كبيرة للقوات الامريكية في منطقة غرب إفريقيا، لم يكن إلا حلقة واحدة في سلسلة خروج الجيوش الغربية من منطقة الساحل الافريقي وتزايد النفوذ الروسي في المنطقة.
ففي إثر الانقلابات التي وقعت في كلا من: مالي عام 2020، وبوركينا فاسو عام 2022 والنيجر عام 2023.
أعلن “تحالف دول الساحل” الذي يضم كلا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” التي تضم 15 عضوا من بلدان غرب أفريقيا.
بعد أن كانت هذه الدول قد انسحبت -سابقا- من مجموعة دول الساحل الخمس التي تأسست عام 2014 برعاية فرنسية وأوروبية بهدف محاربة “الإرهاب” في الساحل، رغم أن الحركات المسلحة في منطقة الساحل جنوب الصحراء قد تضاعفت منذ 2017 إلى 7 أضعاف.
وبعد طرد القوات الفرنسية من مالي وبوركينافاسو، ثم قرار النيجر بإخراج القوات الأميركية من أراضيها في 16 مارس/آذار 2024 بعد إلغاء اتفاقيات التعاون الدفاعي بين البلدين، أعلن المجلس العسكري الحاكم في تشاد برئاسة الجنرال محمد إدريس ديبي في 19 أبريل/نيسان 2024 التعليق الفوري للأنشطة العسكرية الأميركية في قاعدة “أدجي كوسي” الجوية المتاخمة للعاصمة التشادية ا نجامينا.
(2).
في مقابل هذا الانسحاب الغربي، تنامت الأنشطة العسكرية الروسية في إفريقيا واتسع نطاقها بشكل تدريجي.
فبجانب الوجود العسكري الروسي في ليبيا منذ عام 2016، قدمت القوات الروسية المساعدة العسكرية في بوركينا فاسو ومالي.
وفى النيجر، ظهرت مؤشرات عديدة للتعاون العسكري مع روسيا، كما زار رئيس تشاد موسكو في مطلع عام 2024، ونشرت روسيا قوات وقدمت مساعدات أمنية وعسكرية في المنطقة الممتدة من السنغال وحتى البحر الأحمر.
لكن، بدلا من النهج القديم المتمثل في نشر قوات “فاغنر” التي تعتبر شركة عسكرية خاصة، تدعي الحكومة الروسية عدم تبعيتها لها، بدأت روسيا في نشر ما يسمى “الفيلق الإفريقي” وهي قوة عسكرية تسيطر وتشرف عليها الحكومة الروسية بشكل مباشر؛ مما يضمن قدرا أكبر من السيطرة والتنسيق، وكان أول انتشار مؤكد لها في بوركينا فاسو؛ دعما لحكومة “إبراهيم تراوري” العسكرية.
ومع زيادة تواجد القوات الروسية ممثلة في الفيلق الروسي (الإفريقي) تسعى روسيا لربط لقواعد العسكرية التي انسحب منها الامريكيون والفرنسيون في غرب افريقيا بالقواعد التي تسيطر عليها في شمال افريقيا خاصة في ليبيا، مما يجعل الحضور الأهم لتلك القوة الروسية الجديدة هو حضورها في ليبيا، التي حل فيها الفيلق الأفريقي محل قوات (فاغنر).
في هذا التحقيق تكشف “إيكاد” عبر صور الأقمار الصناعية ومصادر الاستخبارات مفتوحة المصدر، عن تحول ليبيا لمركز وقاعدة انتشار لهذا الفيلق الروسي الجديد بافريقيا، يزداد بها النشاط العسكري الروسي في خمس قواعد عسكرية استراتيجية تقع وسط وشمال ليبيا، وهي قواعد: ميناء طبرق وقاعدة جمال عبد الناصر، قاعدة الخادم الجوية، مطار القرضابية الدولي وقاعدته العسكرية، قاعدة براك الشاطئ، وقاعدة الجفرة العسكرية.
حيث تتبعت “إيكاد” في الفترة بين منتصف 2023 وحتى نهاية 2024 عمليات إعادة ترميم وتوسيع البنية التحتية لبعض القواعد إضافة إلى رصد رحلات مكررة قامت بها طائرات مخصصة للشحن العسكري وأخرى خاصة أو لوجستية إلى تلك القواعد التي تخضع لسيطرة قوات فاغنر وتقع في حدود المنطقة التي تسيطر عليها قوات حفتر.
وقد تزامنت هذه التوسعات و أخبار تناقلتها وسائل إعلام غربية عن خطة روسية لجعل ليبيا المركز الرئيسي للفيلق الروسي وبوابتها لتحقيق طموحاتها التوسعية في إفريقيا، لكن في البداية: ما هو الفيلق الافريقي وكيف ظهر في أفريقيا؟الفيلق الروسي (الافريقي): الذراع الروسي العسكري الجديد في افريقيا.
في العقد الذي سبق وفاته، كان “بريغوجين” قائد مليشيات “فاغنر” الروسية قد أقام علاقات مع قيادات دول عديدة مثل مالي وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى؛ ما مكن المجموعات العسكرية التابعة ل”فاغنر” من الوصول إلى مناجم الذهب، والتوغل في افريقيا، ودخول بعض القواعد العسكرية، بالإضافة إلى الحصول على نفوذ سياسي في مناطق بشمال ووسط وغرب إفريقيا.
وبعد وفاة “بريغوجين”، أرادت روسيا إضفاء “طابع رسمي” على وجوها العسكري في إفريقيا، وتوسيع مصالحها في المنطقة، خاصة “مناجم الذهب” التي نجحت قوات “فاغنر” في الوصول والسيطرة عليها، فقامت روسيا بدمج الهيكل القديم لمجموعات “فاغنر” بإفريقيا في تشكيل عسكري جديد، أعلن عنه العقيد الروسي السابق ورئيس تحرير مجلة الدفاع الوطني الروسية Natsionalnaia Oborona لأول مرة رسميا في 20 نوفمبر 2023، حيث أشار “إيغور” أن “تشكيل الفيلق” بدأ بعد لقاءات جمعت نائب وزير الدفاع الروسي “يونس بك يفكوروف” و”خليفة حفتر” في بنغازي في ليبيا في النصف الثاني من 2023، على أن تكون ليبيا هي قاعدة الانطلاق الرئيسية له تجاه إفريقيا.
وبذلك، أمسى لروسيا ذراع عسكري في إفريقيا بشكل رسمي، تقع إدارته وتمويله وتسيطر على موارده، وزارة الدفاع الروسية مباشرة.
وبجانب تأمين مناطق النفوذ والمناجم التي سيطرت عليه مجموعات “فاغنر”، سيتولى الفيلق الروسي تقديم خدمات التدريب الأمني والعسكري للقوات الإفريقية وحماية الأنظمة العسكرية الحليفة لروسيا.
فضلًا عن السيطرة على تدفقات الهجرة في البحر المتوسط، الأمر الذي يصب في صالح العقيدة الروسية ويُكسبها ورقة ضغط على أوروبا، وهو الامر الذي أكدته صحيفة التلغراف البريطانية، عندما كشفت عن خطة روسية لإنشاء قوة “حرس حدود” قوامها 15000 جندي للسيطرة على طرق المهاجرين من إفريقيا إلى أوروبا، وهو ما يمنحها ورقة ضغط على الدول الأوروبية.
ولتحقيق تلك الأهداف الروسية في إفريقيا، وفور الإعلان عن تشكيل “الفيلق الروسي”، أطلقت ا لقناة الرسمية لمجموعة “فاغنر” على منصة “تلغرام” حملة تجنيد عسكرية نشرت أرقام جهات التنسيق والتواصل، كما أشار الإعلان -بشكل صريح- إلى موقع عمليات المقاتلين المنضمين حديثًا حيث كان بالدول الإفريقية.
إذ بدأت حملة التجنيد في يوم 20 فبراير 2024، و استمرت عبر القناة خلال الأيام التالية، وفي يوم 25 مايو 2024، ثبتت القناة منشور الحملة بشكل دائم، ثم في 27 مايو ظهر إعلان التجنيد على قناة روسية أخرى على منصة “تلغرام”.
وبحسب ما كشفته مؤسسة James Town البحثية، يسعى “الفيلق” لتجنيد حوالي 20 ألف من المتطوعين الأفارقة في صفوف الفيلق الروسي، كما أن أعمال الحماية الأمنية التي كانت تقوم بها “فاغنر” في السابق ستنتقل لشركات عسكرية روسية خاصة مثل Reduit وConvoy(9)، الامر الذي يوضح صورة أولية عن “الفيلق” ودوره في منطقة شمال ووسط وغرب أفريقيا.
حيث ينتشر الفيلق بشكل أساسي في خمس دول أفريقية، غير أن تواجده الأهم ظل بالقواعد العسكرية التي تسيطر عليها قوات حفتر في ليبيا والتي تشكل ارتكازات ومقرات عسكرية لمجموعات “فاغنر”، وهو الامر الذي سنكشف تفاصيله في ذلك التحقيق، عبر الكشف عن النشاط العسكري في خمس قواعد عسكرية في ليبيا، هم: ميناء طبرق وقاعدة جمال عبد الناصر، قاعدة الخادم الجوية، مطار القرضابية الدولي وقاعدته العسكرية، قاعدة براك الشاطئ، وقاعدة الجفرة العسكرية، وعن صلة هذا النشاط بالتحضيرات الروسية الخاصة لنشر “الفيلق الروسي” في ليبيا ودول إفريقية أخرى.
ميناء طبرق بوابة الفيلق الروسي إلى إفريقيا.
في الربع الأخير من عام 2023، تداولت بعض الصحف الغربية أنباء عن لقاءات جمعت بين مسؤولين روس وآخرين ليبيين (10)، اجتمع خلالها كلا من اللواء المتقاعد حفتر ورئيس روسيا الاتحادية “فلاديمير بوتين”؛ وتناقشوا حول التخطيط لتكون ليبيا هي المقر المركزي للفيلق الروسي بإفريقيا.
غير أن صحيفة “بلومبيرغ الأمريكية” قد كشفت في الخامس من نوفمبر 2023 عن وجود مساعٍ روسية لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية في ميناء طبرق.
(11) إذ بدأت المفاوضات حول إنشاء القاعدة خلال اللقاء الذي جمع حفتر ببوتين في 28 سبتمبر 2023، ودارت حول إمكانية تزويد حفتر بأنظمة دفاع جوي روسية وتدريب قواته الجوية والخاصة مقابل افتتاح قاعدة بحرية روسية في ميناء طبرق، والسماح للفيلق الإفريقي بالسيطرة على القواعد التي كانت تخضع لسيطرة فاغنر سابقًا، وأهمها (الخادم، والقرضابية، وبراك الشاطئ، والجفرة).
فرغم سيطرة قوات حفتر على مدينة طبرق، والتي يقع على شاطئها الشمالي ميناء طبرق، كما تضم قاعدة “جمال عبد الناصر الجوية”، إلا أن قوات “فاغنر” قد انتشرت بالقاعدة، لاسيما بعد موافقة العسكريون الروس على مطالب سابقة لحفتر لبناء ورش لصيانة المعدات العسكرية داخل قاعدة “عبد الناصر” ثم قاعدة الجفرة.
(12).
وبسبب هذا التواجد الروسي في طبرق، لعبت طبرق دورًا مهمًا كجسر لوجستي لشحن الأسلحة الروسية إلى القواعد التي تمركز فيها الفيلق الإفريقي داخل ليبيا، ثم نقلها لقواعد عسكرية أخرى في عمق إفريقيا.
وقد أشارت صحيفة لوموند الفرنسية (13) لهذا الدور، عندما تحدثت عن عمليات نقل المعدات الروسية من ميناء طبرق إلى نقطة التجميع بقاعدة “الجفرة”، ومنها إلى الدول التي تنشط بها المجموعات العسكرية الروسية كالسودان والنيجر ومالي وبوركينافاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى.
غير أن الأهمية الإستراتيجية لميناء طبرق بالنسبة لروسيا لا تتوقف عند كونها مجرد بوابة لوجستية، بل تمثل طبرق محطة رئيسية في العقيدة العسكرية الروسية، التي تضع الوصول إلى المياه الدافئة بالبحر المتوسط أولوية عسكرية، تحقق هدف “الردع الاستراتيجي” أما أعدائها، وتشكل تهديدا طويل الأمد على البنية التحتية للجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، وتضع وسط وجنوب أوروبا في نطاق السفن البحرية الروسية المزودة بأنظمة صواريخ “كروز كاليبر” المجنحة ذات المدى البعيد.
(14).
في هذا الإطار، كشفت وسائل إعلام غربية عن وصول أكثر من 6000 طن من المعدات والتجهيزات العسكرية إلى ليبيا، جاء غالبها عبر ميناء طبرق العسكري من خلال سفن إنزال عسكرية روسية انطلقت من طرطوس ومن روسيا (15)، وقد تزامنت أخبار وصول الشحنات العسكرية مع تداول وسائل إعلام ليبية ونشطاء ليبيون صور ومقاطع مصورة تظهر عمليات إنزال ونقل تلك الشحنات العسكرية في الميناء.
تكشف إيكاد عبر صور الأقمار الصناعية وأدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر، عن الدور الذي لعبه ميناء طبرق وقاعدتها العسكرية “جمال عبد الناصر” في استلام شحنات الأسلحة والتجهيزات العسكرية الروسية، كما تكشف عن أنواع تلك الأسلحة والشحنات التي حملتها إلى الميناء، وعلاقة تلك الشحنات بعملية إعداد ليبيا لتكون المقر المركزي للشكيل العسكري الروسي الجديد بإفريقيا “فيلق إفريقيا الروسي”.
في الثلث الأول من فبراير 2024 وصلت أولى الشحنات العسكرية لميناء طبرق، وقد تضمنت عشرات الدبابات الروسية من طراز T-72 كما بيّن مقطع مصور نشرته قناة فبراير الفضائية الليبية في 11 فبراير وتناقلته حسابات باحثين في استخبارات المصادر المفتوحة، حيث ظهرت الدبابات بالمقطع المصور داخل أحد المقار العسكرية، دون أن تتم الإشارة إلى تاريخ وصول الشحنة إلى طبرق.
عاد فريق “إيكاد” لصور الأقمار الصناعية للميناء في الأيام التي سبقت ذلك التاريخ، فوجدنا صورة مُلتقطة بتاريخ 4 فبراير أظهرت ما بدا أنها سفينة كبيرة بالقرب من رصيف الميناء، ما يزيد من احتمالية وصول الدبابات على متن تلك السفينة.
غير أن تلك السفينة لم تكن السفينة الروسية الأخيرة التي تصل لرصيف ميناء قبرص، فقد تبعها في أبريل 2024 سفينة الإنزال الروسيةRopucha LSS Aleksandr Otrakovsky وسفينة Ivan Gren التي شوهدت برفقة الفرقاطة العسكرية الروسية Mercuriy ترسو في ميناء طبرق وتُفرغ شحنات ومعدات عسكرية أكثر من مرة.
وقد انطلقت تلك الشحنات العسكرية من القاعدة الروسية في طرطوس عبر رحلتين، كانت الأولى في 5 أبريل 2024 لتصل للميناء وتفرغ حمولتها في 8 أبريل(16)؛ ثم تبعتها الثانية في 12 أبريل 2024، لتصل للميناء وتفرغ حمولتها في 14 أبريل، بحسب صور الأقمار الصناعية التي اطلعت عليها إيكاد، وقد اشتملت الشحنات على مزيج من المركبات الخفيفة والثقيلة، مثل شاحنات GAZ و KAMAZK بالإضافة إلى المدفعية المضادة للطائرات ZU-23-2، و نظام Grad MLRS الروسي المضاد للطيران(17)، وشاحنات Zu32-Anti ومدافع الهاون 2S12 Sani، إ ضافة إلى المدرعة الروسية BTR-82A، BM.
ثم تجددت الرحلات البحرية في منتصف شهر يونيو 2024 وتحديدا في 16 يونيو، فقد وصل إلى ميناء طبرق الطراد الصاروخي الروسي Varyag و الفرقاطة Marshal Shaposhnikov في زيارة مدتها ثلاثة أيام، وفق ما أعلنت عنه رئاسة أركان القوات البحرية التابعة لحفتر، وقد تم تداول مقاطع مصورة للسفن والوفود الروسية داخل ميناء طبرق في ذلك الحين.
إلا أن تلك الشحنات العسكرية التي توالت بشهر أبريل ثم يونيو، قد سبقها شحنات عسكرية أخرى كشف عنها مصدر ليبي نقلت عنه وكالة نوفا الإيطالية، وتحققت منه “إيكاد” عبر صور الأقمار الصناعية الخاصة بالقاعدة، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية عن حركة نشطة للسفن شهدها الميناء في شهر مارس2024.
وقد تزامنت تلك الشحنات العسكرية مع أنباء نقلتها وسائل إعلام ليبية محلية حول وصول بعض المعدات العسكرية الجديدة إلى قاعدة “القرضابية” الجوية، عن طريق الشحن الجوي إضافة إلى جزء آخر نقلته عن طريق القوافل البرية، مما جعل فريق البحث ب”إيكاد” يرجح وصول تلك الشحنات عبر رحلات جوية انطلقت من قاعدة “جمال عبد الناصر” الجوية الواقعة في مدينة طبرق، باعتبار القرب الجغرافي بينها وبين ميناء طبرق، وما رصده فريق “إيكاد” من أدلة عبر الأقمار الصناعية.
بالإضافة إلى قربها الجغرافي من ميناء طبرق حيث تبلغ المسافة بينهما 23.
5 كم فقط، ووجود عناصر “فاغنر” داخلها، فإن ما عزز انطلاق الشحنات العسكرية الروسية جوا من قاعدة “جمال عبد الناصر” الجوية إلى قواعد أخرى، هو ما رصده فريق “إيكاد” عبر صور الأقمار الصناعية في تلك الفترة، حيث كشفت الصور عن هبوط طائرة على المصفّ الرئيسي للقاعدة ما بين الخامس والسادس من أبريل، ثم اختفت في التاسع من أبريل، أي بعد يوم واحد من وصول الشحنات العسكرية إلى ميناء طبرق، وهو ما يزيد من احتمالية كون تلك الطائرة مخصصة للشحن العسكري، وأنها انطلقت نحو مطار “القرضابية”.
وبالإضافة لتلك الصور، أظهر مقطع مصور يعود تاريخ تصويره لأبريل 2024 قوافل وشاحنات عسكرية في مدينة طبرق تتجه لخارج المدينة تجاه الغرب، وقد أظهر التحليل البصري تطابق تلك الشاحنات مع شاحنات أخرى رصدها فريق “إيكاد” في مصف طائرات قاعدة براك الشاطئ بتاريخ 18 أبريل لم تظهر فيها من قبل.
الأمر الذي يعزز من فرضية وصول بعض الشحنات العسكرية إلى قاعدة القرضابية برا انطلاقا من طبرق.
وبجانب الرحلة الجوية التي رصدها فريق “إيكاد” في التاسع من أبريل، وثقنا عبر صور الأقمار الصناعية عدة رحلات انطلقت من وإلى مطار قاعدة “عبدالناصر” الجوية.
إذ وصل عدد تلك الرحلات إلى 15 رحلة على الأقل خلال شهور فبراير ومارس وأبريل، بجانب 4 رحلات على الأقل في كل من مايو ويونيو، ورغم احتمالية ارتباط تلك الطائرات برحلات مدنية، إلا أن ظهورها في المطار قد تزامن مع وصول الشحنات العسكرية الروسية، واللقاءات السياسية لإعادة تشكيل القوات الروسية في ليبيا في التشكيل الجديد المسمى بالفيلق الإفريقي.
قاعدة الخادم العسكرية تستقبل القوات الروسية.
قبل وصول السفن الروسية لميناء طبرق، ثم شحنها إلى قواعد أخرى، بدأت عملية واسعة من تطوير لقواعد ليبية تسيطر عليها القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، وتواجدت بها سابقا مجموعات “فاغنر” الروسية، إذ كانت عمليات التطوير هذه بمثابة تهيئة للقواعد لاستقبال القوات والشحنات العسكرية الروسية الجديدة الخاصة بتشكيل الفيلق الإفريقي.
حيث كشف فريق إيكاد عبر صور الأقمار الصناعية، نشاطا إنشائيا وعسكريا بقاعدة “الخادم” الواقعة على بعد ما يقارب 100 كم جنوب شرقي مدينة بنغازي، المعقل الرئيسي لقوات حفتر.
ففي الفترة الممتدة بين 9 مارس 2023 و11 يونيو 2024 رصد فريق “إيكاد” نشاطا مكثفا للرحلات الجوية بالقاعدة، والذي تزايد خلال عام 2024 ب، وتزامن مع الأخبار المُتناقلة عن تفكيك روسيا مجموعات “فاغنر” العسكرية وإعادة دمجها ضمن صفوف التشكيل العسكري الجديد.
وتزامنا -كذلك- مع اندلاع المعارك غربي السودان بين قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي والجيش السوداني.
فقد رصد فريق “إيكاد” عبر صور الأقمار الصناعية يوم 11 مارس 2023، طائرة في ساحة المهبط الشرقي لقاعدة الخادم لم تكن موجودة من قبل بحسب ما أثبتته صور الأقمار، وبقياس أبعاد الطائرة رجّح فريق إيكاد أنها من طراز IL 76 المتخصصة بنقل المعدات العسكرية.
ثم غادرت القاعدة خلال أقل يومين، فلم تظهر في الصور المُلتقطة للقاعدة بتاريخ 14 مارس 2023.
وفي أبريل 2023، شهدت قاعدة الخادم نشاطًا كثيفًا في الرحلات، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة والتي توصل لها فريق إيكاد طائرة شحن عسكري على مهبط الطائرات الرئيسي في القاعدة.
الطائرة التي دلّت أبعادها أنها من طراز IL-76D ظهرت في مواقع مختلفة على المهبط على مدى عدة أيام، مما يشير لاحتمال أن تكون ذات الطائرة أو طائرة مختلفة ولكن من نفس الطراز، وقد دلّل تغيرُ موقع طائرة IL-76D على أرضية القاعدة على حدوث أكثر من رحلة من وإلى قاعدة الخادم، وهي رحلات يُرجّح الفريق أن غرضها كان نقل مقاتلين روس ومعدات عسكرية إلى القاعدة.
التحليل الذي أكدته منصةAll Eyes on Wagner المتخصصة برصد وتتبع أنشطة شركة “فاغنر” الأمنية حول العالم، حيث رصدوا في تقرير سابق تحليق طائرة من طراز IL76D تابعة لمجموعة “فاغنر” من قاعدة “حميميم” في سوريا إلى قاعدة الخادم في ليبيا في 13 أبريل 2023.
وبعد هذا النشاط الجوي المكثف، حل بالقاعدة فترة سكون مؤقت خلال شهر مايو 2023، لكن سرعان ما عادت الرحلات بوتيرة أقل في الشهر الذي تلاه، فقد وثّق فريق إيكاد عبر صور الأقمار الصناعية قدوم رحلتين فقط خلال شهر يونيو، وقد كشفت الصور وجود طائرة من طراز Il-76D مرتين على المهبط الرئيسي في مكانين مختلفين على ساحة المهبط الرئيسي.
كانت الأولى في 9 يونيو والثانية في 29 يونيو، مع خلوّ المهبط من أي طائرة بقية الأيام، ما يعني أنها قامت بأكثر من رحلة، وباعتبار أنها مخصصة للشحن العسكري ومن نفس طراز الطائرة التي ارتبطت بها الرحلات داخل القاعدة خلال الشهور السابقة، زاد من احتمالية أن تكون قد استُخدمت لنقل شحنات عسكرية إلى القاعدة على طول تلك الفترة.
وبعد انقطاع دام قرابة 46 يومًا، تكرر ظهور طائرة تحمل نفس الأبعاد في مهبط الطائرات بتاريخ 16 أغسطس بحسب صور الأقمار الصناعية، والتي أظهرت أن الطائرة لم تدم في القاعدة أكثر من ثلاثة أيام، وفق ما أثبتته الصور المُلتقطة للقاعدة في 19 أغسطس، حيث خلى المهبط من الطائرات، بحسب ما توصل له فريق إيكاد.
2024: عام جديد تواصلت فيه رحلات الشحن العسكري الروسية.
بحلول عام 2024، تكررت رحلات الطائرة إلى قاعدة الخادم 6 مرات بحسب ما كشفته صور الأقمار الصناعية منخفضة الدقة التي توصلت لها إيكاد، وقد توزعت الرحلات الستة على أربعة أشهر بدأت في 25 يناير 2024 على الأرجح، وهو التاريخ الذي كشفت فيه الأقمار الصناعية وجود طائرة على مهبط الطائرات لم تكن موجودة في الصور المُلتقطة قبل ذلك التاريخ عبر موقع Sentinel Hub، وقد غادرت الطائرة بعدها بفترة وجيزة، حيث لم تظهر في الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية في 28 يناير 2024.
وما يعزز فرضية أن تكون تلك الرحلات مرتبطة بتجهيزات تشكيل “الفيلق الروسي” هو ما رصدته منظمة All Eyes on Wagner خلال تلك الفترة، فبحسب ما أشارت إليه المنظمة في تقرير لها، ظهر موظفين وخبراء روس بالقاعدة داخل مجمع شديد التحصين محمي بطبقتين من التحصينات الرملية وجدران HESCO يقع في الجهة الشمالية للقاعدة بدءًا من 1 يناير 2024، وكان أحد أولئك الخبراء ينتمي إلى فوج المشاة الآلي 102 من الفرقة الميكانيكية 150 المتمركزة في مدينة روستوف الروسية.
أما في شهر مارس 2024، فقد كشف فريق إيكاد قيام 6 رحلات -على الأقل- من وإلى قاعدة الخادم بحسب ما أظهرته صور الأقمار الصناعية، غير أن الامر المفاجئ كان ظهور طائرة جديدة على مهبط الطائرات أصغر من طائرات IL-76D المخصصة للشحن العسكري داخل القاعدة.
ولدى تحليلنا شكل وأبعاد الطائرة الأصغر حجمًا باستخدام تقنيات التحليل البصري تبين أن أبعادها تتطابق مع طائرة IL-18 روسية الصنع المخصصة للمهام اللوجستية ونقل الشخصيات المهمة.
ثم انقطعت الرحلات الجوية عن القاعدة، مرة أخرى، حتى يوم13 مارس، التاريخ الذي ظهرت فيه طائرة من طراز IL76D في ساحة مهبط القاعدة، ثم تكرر ظهور طائرة من نفس الطراز في 30 مارس، وقد أظهرت الصور المُلتقطة بتاريخ 2 أبريل 2024، أي بعد ثلاثة أيام فقط من آخر ظهور لطائرة IL-76D خلوّ القاعدة من أي طائرة ما يعني أنها غادرتها خلال هذه الفترة الوجيزة.
الأمر الذي يتفق وما وثقه مصدر مستقل عن وجود مُجندين روس متطوعين داخل قاعدة الخادم في 17 مارس، أحدهم اسمه “أندريه”، وقد بقي في القاعدة خلال إبريل قبل أن يتم رصده أوائل مايو 2023 في قاعدة الجفرة العسكرية الواقعة وسط ليبيا، بحسب ما كشفه باحثو OSINT في منظمة All Eyes on Wagner.
مما يرجح أن تكون تلك الطائرة الخاصة الأصغر حجمًا التي رصدناها في الخادم مطلع مارس متخصصة لنقل العسكريين الروس، في إشارة محتملة لعمل المجموعات العسكرية الروسية داخل القواعد العسكرية في ليبيا.
كشفت إيكاد في هذا التحقيق عبر تحليل صور الأقمار الصناعية عن تحول ميناء طبرق بليبيا إلى بوابة وجسر لوجيستي لاستقبال الشحنات العسكرية الروسية، بعد لقاءات سياسية ودبلوماسية جمعت مسؤولين روس وآخرين ليبين، شملت لقاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر بفلاديمير بوتين، خططوا خلالها لإنشاء ميناء عسكري روسي في طبرق، والسماح لروسيا بتطوير القواعد العسكرية الجوية التي تواجدت فيها مجموعات “فاغنر” سابقًا لتلائم احتياجات التشكيل الروسي الجديد “فيلق إفريقيا الروسي”.
كما كشفت “إيكاد” عن وصول شحنات عسكرية ضخمة وصلت ميناء طبرق، ثم نُقلت خارجه عبر قاعدة “جمال عبد الناصر” الجوية، التي رصد بها فريق “إيكاد” عديد من الطائرات، التي قامت بحوالي 19 رحلة جوية على الأقل خلال النصف الأول من عام 2024.
وباعتبار القاعدة هي المطار الأقرب إلى ميناء طبرق الذي وصلت إليه شحنات الأسلحة الروسية عبر البحر، فهذا يعزز احتمالية أن تكون الرحلات التي جرت داخل القاعدة أو بعضها، على الأقل، على صلة بنقل الشحنات العسكرية المرتبطة بتشكيل وتسليح “فيلق إفريقيا الروسي”.
وقد سبق وصول تلك الشحنات، تطويرات إنشائية وعسكرية بقاعدة الخادم الجوية بمدينة بنغازي الليبية، كشفت عنها “إيكاد” عبر صور الأقمار الصناعية، واتفقت وما نشرته منصة All Eyes on Wagner حول وجود مقاتلين متطوعين روس بقاعدة الخادم بتاريخ 17 مارس 2024، قبل انتقالهم لقاعدة الجفرة بعد شهرين.
ما يؤكد تحول تلك القواعد إلى مراكز لاستقبال القوات الروسية ومعداتها العسكرية، لإعادة تشكيلهم فيما يسمى بالفيلق الإفريقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك