في كلّ مرّة نقترب فيها من حافة الهاوية، نرفع أعيننا ونبحث عن شخص ما.
ذاك الرجل القوي، الزعيم الكاريزمي، الوجه الجديد، أو حتى نسخة مُكرّرة رديئة من قديم ثبت فشله.
المهم أن يأتي أحد.
أي أحد.
هذا ليس مجرّد انفعال لحظة يأس، بل حالة نفسية جماعية يمكن أن نسميها متلازمة المنقذ.
متلازمة المنقذ هي ميل نفسي عند الأفراد والجماعات لانتظار شخص يتولى حلّ أزماتهم بدل أن يواجهوها بأنفسهم.
وهي تظهر خصوصًا في المجتمعات التي عاشت طويلًا تحت القمع، حيث يُسلب الناس حقّ الفعل، فيتعلمون أنّ الخلاص يأتي من الأعلى لا من بينهم.
مع الوقت، يصبح الانتظار هو الطبيعي، ويصير التمني أقلّ كلفة من تحمّل المسؤولية.
قرأنا في قصص الطفولة عن تلك الأميرة سجينة البرج التي تنتظر فارسًا على حصان أبيض من دون أن تفكر في الخلاص.
في واقعنا، الفارس غالبًا جزء من المشكلة.
ومع ذلك، نصرّ على إعادة التجربة.
نريد بطلاً فردًا لأنّ البطولة الجماعية مرهقة.
نفضّل صورة على جدار نعلّق عليها آمالنا، على عمل طويل يراكم التغيير.
التغيير الجماعي ممل وبطيء، ولا يمنح نشوة سريعة مثل التصفيق لرجل واحد.
المشكلة ليست في الحاجة إلى قيادة، بل في تحويل القيادة إلى قدر.
في ليبيا، صارت هذه المتلازمة نمطًا مُتكرّرًا، من الملك إدريس، إلى القذافي، إلى مصطفى عبد الجليل، إلى المشير خليفة حفتر، وغيرهم ممّن لا يتسع المقام لذكرهم.
أسماء وأزمنة تغيّرت، لكن الفكرة بقيت كما هي.
هذا هو رجل المرحلة، هذا هو المخلّص، هذا هو طوق النجاة.
ثم، بعد سنوات أو أشهر، نكتشف أنّ الطوق ضاق على أعناقنا بدل أن ينقذنا.
يقاطعني صديقي الوهمي، دائمًا حين أظنّ أنّ الصورة اكتملت.
يقول لي: " أنتم تحتاجون إلى منقذ.
البلد داخل في نفق مظلم.
من سيقود المشهد غير سيادة المشير؟ ".
أجيبه: " المشكلة ليست في الحاجة إلى قيادة، بل في تحويل القيادة إلى قدر.
في تسليم مصير أمة كاملة لإرادة شخص واحد".
يرد ساخرًا: " والجماهير التي تراهن عليها؟ متى كانت واعية أو قادرة على الحكم؟ ".
أسكت لحظة.
أعرف أن سؤاله يشبه سؤال القارئ المُتشكّك.
لكن الهروب إلى الفرد ليس حلًا.
الحلّ أن نبني ما يجعل الجماهير قادرة فعلًا: تعليم، مؤسسات، مُساءلة، ومساحات حقيقية للفعل.
نغيّر الاسم، ونعيد إنتاج الوهم.
نلعن المنقذ بعد سقوطه، ثم نبدأ البحث عن آخر.
المشكلة أننا لا نخطئ فقط في اختيار المُنقذ، بل في فكرة البحث عنه أصلًا.
الفرد، مهما بلغت قوّته أو صدقت نياته، لا ينقذ دولة.
الدولة التي تُبنى على شخص ليست دولة، بل مزرعة.
يتغيّر صاحبها، وتبقى الحيوانات في الحظيرة تنتظر سيّدًا أقلّ قسوة.
الدول تُبنى على مؤسسات وعلى العلم، لا على صور ولا على خطابات.
تُبنى على قواعد واضحة، وعلى إرادة جماعية تكون هي الحَكَم لا مزاج الفرد.
حين تنظّم الجماهير نفسها وتنتزع حقّها في القرار، تسقط حكومات، وتتغيّر أنظمة، وتُعدّل قوانين.
الجماهير حين تتحرّك بوعي هي المنقذ الحقيقي.
أما حين تنتظر، فهي شريك في استمرار المأساة.
لماذا نفضّل المنقذ؟ لأنّ إنقاذ أنفسنا يعني الاعتراف بمسؤوليتنا.
يعني النزول من مقاعد المتفرجين.
يعني أن نتوقّف عن تعليق الخيبات على شماعة الشخص، وأن ننظر إلى العطب في الأساسات، في البنية، في الثقافة، التي إذا صلُحت صلح ما فوقها.
هذه المتلازمة لا تخصّ ليبيا وحدها، لكنها عندنا أكثر فجاجة، هنا الخيبة تتكرّر، والدرس لا يُحفظ.
نغيّر الاسم، ونعيد إنتاج الوهم.
نلعن المنقذ بعد سقوطه، ثم نبدأ البحث عن آخر.
وفي النهاية، لا فارس سيأتي، ولا حصان أبيض في الأفق.
المنقذ الحقيقي لن يكون شخصًا، بل لحظة وعي الجموع وإدراكها أنّ أخطر أشكال الاستبداد ليس الذي يُفرض علينا، بل الذي نصنعه بأنفسنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك