دعوني أعترف بأنني لم أكن محظوظاً حينما تأخرت في قراءة كتاب «سلوى.
سيرة بلا نهاية»، للباحث الشاب كريم جمال والصادر قبل عامين، وسلوى المقصودة هنا هي سلوى حجازي، أهم مذيعات التليفزيون المصري فترة الستينات، وأكثرهن جاذبية وحضوراً في زمن نشأة هذا الجهاز الإعلامي الخطير، والتى راحت ضحية الغدر الإسرائيلي حين أسقط سلاح الجو الإسرائيلي طائرتها في فبراير 1973 أثناء تحليقها فوق سيناء المحتلة في ذلك الوقت، أما كريم جمال فهو واحد من أنبه شباب جيله، وأكثرهم جدية وإخلاصاً في أي جهد بحثي يقوم به، ويكفي التذكير بأنه صاحب الكتاب البديع «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، والذى حصل بفضله على جائزة الدولة التشجيعية قبل سنوات.
أما لماذا لم أكن محظوظاً فذلك لأنني ضيعت على نفسي فرصة الاستمتاع مبكراً بهذا الكتاب المهم، الذى هو بالنهاية عبارة عن جهد توثيقي دقيق لسيرة حياة تلك الفراشة التى راحت ضحية الغدر الإسرائيلي، ولكن لا بأس فهذه الأيام تمر الذكرى الثالثة والخمسون على رحيل سلوى حجازي في الحادي والعشرين من فبراير 1973، ولعلها مناسبة سانحة لنستعيد سيرتها من خلال كتاب كريم جمال.
لم تكن سلوى حجازي مجرد مذيعة ارتاح لوجهها ناظروها مع الرعيل الأول من مذيعات ماسبيرو، اللائي قصصن شريط افتتاح هذا الصرح الإعلامي العظيم في يوليو 1960، وإنما كانت أبعد من ذلك بكثير، كانت شاعرة مرهفة الحس، تكتب بالفرنسية دون أن تخذلها لغتها العربية عن مخاطبة المواطن المصري، سواء كان طفلاً أو رجلاً بسيطاً أو حتى من جمهور الصفوة وكبار مثقفيها، كانت هي رفيقة كوكب الشرق أم كلثوم في واحدة من أهم رحلاتها الخارجية إن لم تكن أهمها، حين زارت سيدة الغناء العربي باريس وصعدت فوق مسرح الأولمبيا في نوفمبر 1967 لتغني في أكبر مسارح أوروبا لصالح المجهود الحربي، فإذا ما أضفنا إلى ذلك كله حادث الطائرة الليبية الشهير الذى راحت سلوى ضحيته مع آخرين قبل أشهر قليلة من نصر أكتوبر 1973 اكتسبت حياة هذه السيدة أبعاداً أخرى جعلت سيرتها بالفعل بلا نهاية تماماً كما عنون المؤلف هذا الكتاب.
يقول كريم جمال في مقدمة كتابه، وهو يستحضر سيرة حياة سلوى ثلاثية الأبعاد: «قل تدريجياً سطوع وجه الإعلامية مع توالي الأجيال في مصر المحروسة، وتبدل الطبيعة التليفزيونية وشكل الإرسال المرئي، واختفى وجه الشاعرة خاصة أن نصوصها الشعرية لم تكتب إلا بلغة نخبوية بعيدة عن الثقافة المتداولة والشعبية، ولم يبق إلا وجه الشهيدة الأكثر حضوراً وتأثيراً، بدا وجهها الأخير كأنه أرض منفى واسعة لوجهي سلوى السابقين، سياج ضخم حبس وراءه قدرات سلوى، ومنع بعد رحيلها تدفق ذلك الخليط العجيب من الضوء والثقافة وسيولة الشعر».
وفي تقديري أنه منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها سلوى حجازي تغيير مجرى حياتها، والتحول من مجرد ربة منزل ذات مؤهل متوسط، إلى نقطة ضوء مشعة في بيت كل مشاهد، ووقوفها أمام لجنة الاختبار في الثاني عشر من يوليو 1960 قبل أشهر قليلة من ظهورها الأول على الشاشة فإنها كانت تعيش تحدياً دائماً طوال تجربتها الإعلامية القصيرة، التى امتدت ثلاثة عشر عاماً فقط قبل أن تغتالها يد الغدر عام 1973، كانت أولاً أمام تحد بالغ الخطورة كي تكسب هي وزملاؤها من الرجال والنساء لهذا الاختراع الجديد جاذبية واحتراماً، كان التليفزيون المصري بحاجة إليهما مع بدء إرساله، ثم كان عليها أن تبرهن وسط هذا الجيل من المذيعين الأوائل، الحاصل على مؤهلات جامعية، أنها لا تقل أهمية وقدرة عن كل هؤلاء، بل وتستطيع أن تتفوق عليهم أيضاً، وربما كان في حرصها على كتابة الشعر بالفرنسية وليس بالعربية، الذى لازمها طيلة حياتها، بحث عن ذلك التفرد والتميز بين أقرانها من ساكني ماسبيرو في ذلك الوقت، إذ لم يعرف لا عن زينب حياتي ولا عن ليلى رستم ولا عن مايسة طلعت ولا عن نجوى إبراهيم وأماني ناشد وحمدي قنديل وغيرهم أي قيمة مضافة إلى ظهورهم الإعلامي، وحتى نجوى إبراهيم التى طرقت مجال التمثيل فلم يكن ذلك إلا متأخراً بظهورها المفاجئ بطلة لفيلم «الأرض» للمخرج يوسف شاهين سنة 1970، بعد عشر سنوات كاملة من بداية تجربة سلوى حجازي مع التليفزيون، وعلى ذكر نجوى إبراهيم فقد قالت مؤخراً لأحد البرامج التليفزيونية إنها هي التى كان عليها الدور في تلك الرحلة إلى ليبيا، والتى حلت فيها سلوى بدلاً منها لتلقى مصيرها المحتوم في واحدة من ألعاب القدر ومفارقاته العجيبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك