في قلب الزمالك، وعلى ضفاف النيل الذي شهد على حكايات الملوك والعشاق، تختبئ واحدة من أقدم وأغرب حدائق مصر حديقة الأسماك، أو كما يعرفها كثيرون بـ«الجبلاية».
ليست مجرد مساحة خضراء أو مزارًا للنزهة، بل قصة حب أسطورية تحولت إلى تصميم معماري ونباتي فريد، حتى لُقبت عبر الزمن بـ«جنينة العشاق» من كثرة ما احتضنت من مشاهد رومانسية، سواء في الواقع أو على شاشة السينما.
وبمناسبة عيد الحب، لا تبدو هناك حكاية أنسب من حكاية حديقة وُلدت من شغف خديوٍ أراد أن يبهر امرأة أحبها يومًا فبنى لها جنة على ضفاف النيل.
من باريس إلى القاهرة حب لم يُنسَ.
تعود جذور الحكاية إلى شباب الخديوي إسماعيل، الذي سافر إلى فرنسا ليتلقى تعليمه.
هناك، في أروقة المجتمع الأرستقراطي، تعرّف على فتاة من عائلة عريقة تُدعى «أوجيني».
كانت شابة فرنسية تنتمي إلى طبقة النبلاء، جمعت بين الرقي والجمال.
تمر السنوات، ويعود إسماعيل إلى مصر، ليعتلي عرشها خديويًا طموحًا يحمل حلمًا أكبر من حدود البلاد.
أما أوجيني، فقد صارت إمبراطورة فرنسا، زوجة نابليون الثالث.
تغيرت الألقاب، وتبدلت العروش، لكن يبدو أن ذكرى الحب الأول لم تغادر قلب الخديوي.
حين اقترب موعد افتتاح قناة السويس عام 1869، أراد الخديو إسماعيل أن يحول الحدث إلى استعراض حضاري يثبت أن مصر صارت قطعة من أوروبا، كما كان يحلم.
ورأى في المناسبة فرصة لدعوة أوجيني لتكون ضيفة الشرف.
لم يكن الأمر مجرد بروتوكول سياسي، بل رغبة دفينة في أن يريها مصر التي أراد أن تكون جديرة بإعجابها.
جزيرة على النيل وحلم يتحول إلى حديقة.
قبل الافتتاح بسنوات، وتحديدًا عام 1867، كان الخديوي إسماعيل قد بدأ مشروعًا طموحًا لتطوير جزيرة الزمالك لتكون حيًا راقيًا يضاهي أحياء باريس.
اشترى أجزاء واسعة من الجزيرة، واستدعى خبراء زراعة وتنسيق حدائق من أوروبا، ليصنع مساحة خضراء لا مثيل لها في المنطقة.
لم تُصمم الحديقة على النمط التقليدي للحدائق المفتوحة، بل جاءت بفكرة مبتكرة تكوينات صخرية صناعية على هيئة جبال وكهوف، تتخللها ممرات ضيقة وتجاويف عميقة، تُعرف اليوم باسم «الجبلاية».
كانت هذه التكوينات تحاكي الطبيعة البرية، وكأن قطعة من جبال أوروبا انتُزعت وزُرعت في قلب القاهرة.
داخل هذه الجبلاية، صُممت تجاويف تسمح بمرور الهواء فيصدر صوتًا يشبه هدير الأمواج، في تجربة حسية تمزج بين السمع والبصر والخيال.
لم تكن مجرد حديقة، بل مسرحًا للطبيعة المصطنعة، وجنة رومانسية تُخاطب المشاعر قبل العيون.
لم يكتفِ الخديوي بالشكل المعماري الفريد، بل أمر بجلب نباتات وأشجار نادرة من أستراليا وتايلاند ومدغشقر وغيرها من بقاع العالم.
أراد أن تكون الحديقة معرضًا حيًا للتنوع النباتي، ورمزًا لانفتاح مصر على العالم.
كانت الأشجار العالية تحيط بالممرات، وتنساب الظلال على الأرض في لوحات ضوئية تتبدل مع حركة الشمس.
أما أحواض الأسماك، التي منحت الحديقة اسمها الشهير، فقد احتضنت أنواعًا متعددة من الأسماك، لتتحول الزيارة إلى تجربة بصرية مائية داخل قلب العاصمة.
في تلك الأيام، كانت الحديقة جزءًا من مشهد احتفالي كبير، يتكامل مع قصر الجزيرة المجاور الذي تحول لاحقًا إلى فندق ماريوت ليشكلا معًا خلفية فخمة لاستقبال ضيوف العالم.
حين جاءت أوجيني إلى مصر لحضور افتتاح قناة السويس، مكثت 21 يومًا كانت خلالها ضيفة الخديوي.
تجولت في قصر الجزيرة، وسارت في حدائق الجبلاية، ورأت بعينيها ما صنعه إسماعيل من إنجازات عمرانية وثقافية.
ربما لم يُكتب لتلك القصة أن تُستكمل كما بدأت، لكن الحديقة ظلت شاهدًا صامتًا على مشاعر لم يُعلن عنها رسميًا، وإن كانت واضحة في تفاصيل الإبهار التي أُحيطت بها الزيارة.
تمر السنوات، ويُعزل الخديوي إسماعيل عن الحكم، وتسقط الإمبراطورية الفرنسية.
تتبدل الأحوال السياسية كما تتبدل الفصول.
وبعد وفاة إسماعيل، قررت أوجيني أن تعود إلى مصر، لا كإمبراطورة هذه المرة، بل كامرأة تستعيد ذكرياتها.
شاهدها المصريون وهي تتجول حول قصر الجزيرة وحديقة الجبلاية، تستحضر زمنًا مضى.
كانت تلك زيارتها الأخيرة.
وبعدها بسنوات، رحلت عن الدنيا، وبقيت الحديقة أثرًا ماديًا لحكاية عاطفية تجاوزت الحدود.
رغم شيوع الحكاية الرومانسية التي تربط إنشاء حديقة الأسماك بقصة حب بين الخديوي إسماعيل والإمبراطورة أوجيني، فإن المصادر التاريخية الموثقة لا تقدم دليلًا قاطعًا على أن الحديقة أُنشئت خصيصًا لأجلها أو بدافع عاطفي مباشر.
الثابت تاريخيًا أن الحديقة أُقيمت عام 1867 ضمن مشروع تطوير جزيرة الزمالك، في إطار خطة الخديوي لتحديث القاهرة على الطراز الأوروبي، وأن أوجيني زارت مصر عام 1869 لحضور افتتاح قناة السويس وأقامت في قصر الجزيرة.
أما رواية الحب التي صنعت «جنينة العشاق»، فتبقى جزءًا من الذاكرة الشعبية والسرديات الأدبية التي أضفت على المكان هالة شاعرية، دون أن تسندها وثائق رسمية مؤكدة.
هكذا تظل الحديقة مساحة يلتقي فيها التاريخ بالخيال، وتتعانق فيها الحقيقة مع الأسطورة.
“جنينة العشاق” على شاشة السينما.
لم تكن الرومانسية حكرًا على القرن التاسع عشر.
مع تطور السينما المصرية، وجدت الكاميرا في حديقة الأسماك ضالتها.
ممراتها الحجرية، وكهوفها الغامضة، وأشجارها الوارفة، شكلت خلفية مثالية لمشاهد الحب واللقاءات السرية والاعترافات الخجولة.
صُورت فيها مشاهد من أفلام رومانسية عديدة، وغنى بين أشجارها عبد الحليم حافظ، وتألق فيها صوت شادية وغيرهما من نجوم الزمن الجميل.
تحولت الحديقة إلى رمز بصري للحب في المخيلة المصرية، حتى صار العشاق يتواعدون فيها تقليدًا لما رأوه على الشاشة.
ومن هنا، التصق بها لقب «جنينة العشاق».
لم يعد الاسم الرسمي هو الأهم، بل الصورة الذهنية التي صنعتها السينما وأكدتها الذكريات.
اختيار جزيرة الزمالك لم يكن عشوائيًا.
فهي تقع في قلب النيل، معزولة نسبيًا عن صخب القاهرة القديمة، وقريبة في الوقت نفسه من مركز الحكم.
الجزيرة بطبيعتها تمنح شعورًا بالخصوصية والهدوء، وهو ما يجعلها مثالية لبناء قصر ملكي وحديقة فريدة.
كما أن موقعها الاستراتيجي على النهر أتاح تصميم مشهد بصري مفتوح على الماء، حيث يلتقي الأخضر بالأزرق، في توازن جمالي يعكس فلسفة الخديوي في الجمع بين الطبيعة والهندسة.
كانت الفكرة واضحة: إنشاء مساحة أوروبية الطابع في قلب الشرق، لتكون رمزًا لمشروع التحديث الذي تبناه إسماعيل، ورسالة حضارية موجهة إلى العالم… وربما إلى امرأة بعينها.
حالها اليوم بين التاريخ والحنين.
اليوم، لا تزال حديقة الأسماك قائمة، وإن تغيرت ملامحها بعض الشيء بفعل الزمن.
الجبلاية ما زالت تحتفظ بتكويناتها الصخرية الفريدة، وأحواض الأسماك ما زالت تستقبل الزوار، وإن كانت بحاجة دائمة إلى صيانة ورعاية تليق بقيمتها التاريخية.
يقصدها الشباب لالتقاط الصور، وتزورها العائلات في عطلات نهاية الأسبوع، ويجد فيها العشاق ركنًا هادئًا بعيدًا عن ضجيج المدينة.
ربما لم تعد في فخامتها الأولى، لكنها ما زالت تحتفظ بروحها روح الحكاية التي صنعتها.
في عيد الحب، تصبح الحديقة أكثر من مجرد موقع جغرافي.
تصير استعارة عن فكرة أن المشاعر يمكن أن تتحول إلى عمران، وأن الحب حتى لو لم يكتمل قد يترك أثرًا خالدًا في الحجر والشجر.
حديقة الأسماك ليست فقط أقدم جنينة في جناين مصر، بل نموذج لفكرة أن العمران قد يكون انعكاسًا لمشاعر إنسانية.
بين كهوف الجبلاية وأشجارها النادرة، تختبئ قصة خديوٍ أراد أن يدهش حبيبته، فصنع واحدة من أجمل وأغرب حدائق عصره.
ربما لم تُكتب لتلك القصة نهاية تقليدية، لكن ما بقي منها يفوق الكلمات: حديقة تُروى فيها حكايات الحب منذ أكثر من قرن ونصف، وتستمر في استقبال قصص جديدة كل يوم.
وهكذا، في قلب الزمالك، وعلى ضفاف النيل، تقف «جنينة العشاق» شاهدًا على أن الحب قد يزول، لكن أثره… قد يظل أخضر إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك