كنّا على يقين كامل من أنّ “وثائق إبستين”، التي يتجاوز عددُها ثلاثة ملايين وثيقة، وكشفت عنها وزارة العدل الأمريكية، في 31 جانفي الفارط، تحمل أسماء قادة وأمراء ودبلوماسيين ورجال أعمال عرب كبار؛ إذ طالما كان هؤلاء “أبطالا” لفضائح جنسية كثيرة، في دول الغرب، حيث ينفقون هناك ببذخ شديد، على الفاجرات في مواخير الفسق والفجور، في حين تعاني شعوبٌ عربية وإسلامية عديدة الفقر والخصاصة، من دون أن يلتفت إليها أحدٌ منهم، لكنّنا لم نكن نتصوّر قطّ أن يبلغ الانحطاطُ الأخلاقي ببعضهم درجة العبث بمقدّسات المسلمين، وإهداء ثلاث قطع من كسوةٍ قديمة للكعبة المشرَّفة إلى الفاجر، جيفري إبستين، سنة 2017، وهو ما يفوق بكثير تورُّطَ قادةٍ وسياسيين عرب في ممارسة الرذيلة مع القاصرات، في جزيرته، أو جلبَهنّ إليه!
وإلى حدّ الساعة، لا ندري لمَ أقدمت امرأةُ أعمال إماراتية على تقديم مثل هذه الهديّة، ذات الخصوصية الدينية الإسلامية، إلى إبستين، وهو مجرّد رجل أعمال أمريكي فاسق، أنشأ شبكة لتجنيد الأطفال والقاصرات لاستغلالهم جنسيًّا في جزيرته؟ ! وكيف وصلت إليها هذه القطعُ أساسًا؟ ! مثل هذه الهدية الخاصَّة لا تُقدَّم حتى إلى بابا الفاتيكان، ولا إلى أيِّ حاخام يهودي، لأنّها تخصُّ المسلمين فقط، وكان يمكن تقديمُها مثلا لكبار علماء الأمّة، أو لوزارات الشؤون الدينية في البلدان الإسلامية جميعًا، لكنَّ هذه السيدة المسلمة قدّمت أجزاء من كسوة الكعبة المشرَّفة إلى يهوديّ فاجر مجرم جنسيًّا، ولا ندري ما الهدفُ من ذلك ولا الجدوى منه؟ ! هل يُعقل مثلا إهداءُ نسخةٍ من المصحف الشريف إلى إبليس؟ !
وللتذكير مرَّة أخرى، فإنّ جيفري إبستين ليس يهوديًّا فقط، بل صهيونيٌّ حتى النخاع، لا يؤمن بوجود فلسطين تاريخيًّا، وقدّم تبرعاتٍ مالية لجيش الاحتلال ولبناء المستوطنات في الضفة الغربية، كما أنّه أحدُ الذين أسهموا في تهجير مليون روسي إلى فلسطين المحتلة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات.
وإذا كانت هذه السيدةُ الإماراتية تريد التقرّب من حكومة بلدها بحركةٍ تطبيعية ما، في زمن كثُر فيه المتملّقون والمنافقون والمتزلّفون للأمراء والحكَّام لقضاء مآربهم، فقد كان عليها أن تقوم بلفتةٍ سياسية خالصة، بدل أن تعبث بكسوة الكعبة المشرَّفة، وترسل ثلاث قطع منها إلى يهوديٍّ فاجر ليُدنِّسها.
وعندما تبتدع دولة الإمارات “ديانة” جديدة تسمِّيها “الديانة الإبراهيمية”، وتشيّد لها مسجدا وكنيسة ومعبدا لليهود في بنايةٍ واحدة، وتقدِّم هذه “الديانة” المزعومة على أنّها عنوانٌ لـ”التسامح الديني” و”التعايش بين أتباع الديانات الثلاث”، فإنَّه لا يمكن إلَّا أن ننتظر مثل هذه التصرُّفات العجيبة من بعض مواطنيها؛ إذ ربَّما رأت هذه السيدة أنّها تخدم “الديانة الإبراهيمية”، التي تروِّج لها سلطاتُ بلدها، منذ أزيد من خمس سنوات، وتسهم في نشرها من خلال إهداء أجزاء من كسوة الكعبة المشرَّفة إلى اليهوديّ إبستين، والناسُ على دين ملوكهم، كما يقال.
ومع ذلك كلِّه، تتطلّب منا الموضوعية أن نقول إنَّ ما فعلته هذه الإماراتية، امرأةُ الأعمال، أقلُّ سوءًا بكثير من سياسات بلادها التخريبية في بلاد المسلمين.
صحيحٌ أن إهداء أجزاء من كسوة الكعبة المشرَّفة إلى يهوديٍّ إساءةٌ لقُدسيتها وإهانة لها ولملياري مسلم، لكنّ الكسوة القديمة ليست في مستوى قداسة الكعبة ذاتها ولا قداسة المسجد الأقصى المبارك ولا بيوت الله ولا المصحف الشريف… كما أن إهداءها خطيئة لن تترتّب عليها تبعاتٌ كبيرة ومتواصلة، أمّا سياسات الإمارات الثابتة في اليمن والصُّومال والسُّودان وليبيا وغيرها فهي تخريبيةٌ تدميرية، وتعاني منها هذه الدولُ الأمرّين إلى حدّ الساعة، وقد تتواصل تبعاتُها سنوات طويلة، لأنها قائمةٌ على استغلال ثرواتها لتفكيك هذه البلدان، وضرب وحدتها الوطنية في الصميم، من خلال تشجيع الحركات الانفصالية والمتمرّدة فيها، وإضعاف جيوشها الوطنية، وإفقارها، وسوْقها لاحقا إلى حظيرة التطبيع.
بقي التساؤلُ أخيرا: أين هم “الفقهاء” و”رجالُ الدين” وأتباعُهم الذين تطاولوا كثيرا على المقاومة في غزَّة ووصفوها بأبشع النعوت طيلة سنتين من الحرب، وسلقوها بألسنةٍ حداد، ولم يحترموا صمودها وتضحياتها، أين هم الآن من إهداء قطع من كسوة الكعبة المشرَّفة إلى يهوديٍّ صهيوني فاسق كارهٍ للإسلام والمسلمين؟ ! وأين هم من “الديانة الإبراهيمية” المزعومة؟ ! وقبل ذلك: لم سكتوا عن حكّام السوء الذين ألقوا بالمودّة إلى الاحتلال وباعوه فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك بأبخس الأثمان؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك