داخل محافظة الفيوم عاش الأخوان أحمد ومحمد العيسوي، معلما لغة عربية، على مبدأ أن الحياة لا تعرف سوى العطاء، فوالدهما الذي تركهما صغاراً ورحل، جعل «محمد» يتعلق بشقيقه «أحمد» الذي يكبره بعامين وكأنه والده، قبل أن تمر الأعوام ويشهدا النجاحات إلى أن انقلبت حياتهما رأساً على عقب.
شعر «أحمد» بتعب مفاجئ في البطن، وبعد رحلة من الفحوصات والتشخيص قرر الأطباء أن السبيل الوحيد هو أن يتبرع له أحد بفص من الكبد، ليهرول «محمد» نحو شقيقه لا يأمل سوى إنقاذ حياته، حتى وإن كانت على حساب قطعة من جسده، متبرعاً له بفص كبد كامل، لكن شاء القدر أن يرحل، وهو يحمل قطعة من جسد الأخير لا تُرد ولا تُستبدل.
تعود القصة لأكثر من 6 أعوام، حينما تفاجأ «محمد» بتعب شقيقه المتزايد، لتبدأ رحلة الفحص والعلاج في مدينة الشيخ زايد بالقاهرة، ويكتشف أن شقيقه مصاب بعيب خلقي: «(أحمد) تعب فجأة وعرفنا أن عنده عيب خلقي أصاب القنوات المرارية مع أعراض خطيرة في الكبد، وهنا قررنا ندوّر على وسيلة للعلاج».
الشقيق عاش 18 شهرا بعد عملية التبرع.
أشارت الفحوصات الدقيقة إلى إصابة «أحمد» بتليف كبدي 100%، هنا وقف «محمد» مذهولاً، لا يعرف ماذا يفعل سوى أنه سيبذل كل ما بوسعه لإنقاذ حياة شقيقه، حتى وإن كان الثمن قطعة من جسده وألم طيلة حياته، بحسب حديثه لـ«الوطن»: «وقتها الدكاترة قالوا إن حياته متوقفة على متبرع بالكبد، عملت التحاليل من غير تفكير، وقدرت أتبرع بفص كامل من الكبد بنسبة 60٪».
في 22 يوليو 2022، خضع الشقيقان «أحمد ومحمد» لجراحة دقيقة، على أثرها نزع الفريق الطبي المعالج فص الكبد من «محمد» لمداواة شقيقه.
عام و6 أشهر عاشها «أحمد» بعد الجراحة وتحسنت صحته بشكل ملحوظ، قبل أن تحدث له انتكاسة مفاجئة بالكبد، لينتقل إلى الرعاية الطبية ويرافقه شقيقه 33 يوماً، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة: «كنت هموت من الفرحة أنه قام بالسلامة أخيراً، وكل ما أتعب من وجع العملية يريحني شعور إني مقصرتش، اتحجزنا 33 يوماً في المستشفى، لكن قدر ربنا أنه يرحل، وخرجت أنا لوحدي».
ابن الفيوم: «عايش بـ50 غرزة.
ولو رجع بينا الزمن هكررها».
50 غرزة مفتوحة، يعيش بها «محمد» جرّاء آثار الجراحة وانتزاع فص الكبد، تتطلب منه نظاماً صحياً متكاملاً حفاظاً على حياته: «عايش بـ50 غرزة، مش باكل ولا بشرب أي حاجة، كل التعب ده كنت هنساه لو فضل أخويا موجود معايا».
رغم كل ما يعانيه «محمد» من ألم، لم يندم لحظة على قرار التبرع بفص من كبده لشقيقه الراحل، «عمري ما ندمت إني اتبرعت له، ولو رجع بينا الزمن هعملها تاني، وأشوفه تاني وهو عايش أيام بصحته قبل ما يموت».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك