رويترز العربية - ترامب يطرح في خطاب حالة الاتحاد أسباب شن هجوم محتمل على إيران فرانس 24 - توقيف رئيس مخابرات سريلانكا السابق بتهمة التواطؤ في هجمات فصح 2019 العربي الجديد - ترامب في أطول خطاب لحالة الاتحاد: إيران تطور صواريخ تصل إلى أراضينا فرانس 24 - بيل ​غيتس يقرر "تحمل مسؤولية أفعاله" بسبب روابطه مع جيفري إبستين القدس العربي - جون أفريك: الصحراء الغربية.. كيف اضطرت الجزائر والبوليساريو للتخلي عن الاستقلال؟ العربي الجديد - ارتفاع الذهب والنفط وسط غموض الرسوم وملف إيران روسيا اليوم - 5 قتلى في حادثة طعن بولاية واشنطن الأمريكية الشرق للأخبار - الاستخبارات الأميركية تعرض على الإيرانيين "التعاون" معها روسيا اليوم - الرئيس الإسرائيلي يبدأ زيارة رسمية إلى إثيوبيا (فيديو + صور) Independent عربية - ترمب في خطاب قياسي عن حالة الاتحاد: إيران تطور صواريخ ممكن أن تصل إلينا
عامة

ولى النعم.. قراءة نقدية فى تاريخ محمد على باشا وعالمه 2

الشروق
الشروق منذ 1 أسبوع

• مشروع محمد على حمل كل بذور الفشل منذ البداية.• القهر والاعتماد على الأقارب والأتباع وعسكرة جوانب الدولة قادت التجربة إلى الانهيار.• ابن مدينة قولة استهدف تأسيس حكم وراثى لعائلته وليس دولة حديثة....

ملخص مرصد
كتاب «ولى النعم» للدكتور خالد فهمى يقدم قراءة نقدية لتجربة محمد على باشا فى تحديث مصر، مؤكدًا أن سعيه لتأسيس حكم وراثى لعائلته وليس دولة حديثة كان سببًا رئيسيًا فى فشل المشروع. يحلل الكتاب كيف أدت سياسات الباشا الاقتصادية والعسكرية إلى فقر الشعب وتدهور مصر لاحقًا تحت النفوذ الأوروبى.
  • مشروع محمد على حمل بذور الفشل منذ البداية بسبب سعيه لتأسيس حكم وراثى لعائلته.
  • اعتمد الباشا على الأقارب والأتباع وعسكرة الدولة مما قاد التجربة للانهيار.
  • الجندى المصرى غيّر معادلة القوة لصالح الأسرة العلوية لكن حصاد الشعب كان الذل والفقر.
من: محمد على باشا والدكتور خالد فهمى أين: مصر متى: عصر محمد على (بداية القرن 19) وصدور الكتاب حديثًا

• مشروع محمد على حمل كل بذور الفشل منذ البداية.

• القهر والاعتماد على الأقارب والأتباع وعسكرة جوانب الدولة قادت التجربة إلى الانهيار.

• ابن مدينة قولة استهدف تأسيس حكم وراثى لعائلته وليس دولة حديثة.

• الجندى المصرى غيّر معادلة القوة فى المنطقة لصالح الأسرة العلوية.

• حصاد الشعب المصرى من سياسات الباشا الاقتصادية والعسكرية كان الذل والفقر.

• محمد على كان يردد أن الفلاح هو ولى نعمته ثم يعامله كالعبد ويهدده بالنبوت.

• الباشا أغرق الدولة فى أزمة مالية طاحنة لكنه رفض الاعتراف بأنها نتيجة مباشرة لسياساته.

لا يحتاج قارئ هذا الكتاب الصادر حديثًا عن دار الشروق إلى جهد كبير حتى يدرك أنه لا يسعى وراء تقديم سيرة تاريخية لمحمد على باشا وتجربته فى تحديث مصر، بقدر ما يسعى لاستلهام ما فى هذه التجربة شديدة الأهمية من دروس، ما زال المجتمع المصرى بل والمجتمعات العربية فى حاجة إليها للخروج من دائرة التخلف والتبعية التى ما زالت تدور فيها منذ قرون.

وفى تسعة فصول وخاتمة تقع فى نحو 250 صفحة قدم الدكتور خالد فهمى فى كتابه «ولى النعم.

محمد على باشا وعالمه» قراءة نقدية عميقة لواحدة من أهم مراحل تاريخ مصر الحديث، وأشدها تعقيدًا وجمعًا للمتناقضات.

لا يفرض المؤلف فى هذا الكتاب القيم على قارئه رأيه فى تجربة محمد علي وإنما يتيح له مساحة واسعة لكى يدرك لماذا فشلت تجربة بناء مصر الحديثة المستقلة وانهارت الدولة التى امتدت سيطرتها من جنوب السودان حتى مدينة كوتاهية التركية على بعد 200 كيلومتر فقط من اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية.

سعى محمد على منذ البداية إلى إقامة حكم عائلى فى مصر، وليس إلى بناء دولة حديثة، كما كان يقول، فإقامة جيش كبير واحتكار كل مقدرات البلاد وتسخيرها لخدمة قواته ونظام حكمه هما جوهر فلسفة الباشا منذ صعد إلى القلعة وجلس على كرسى الوالى.

عندما بدأ تشكيل الجيش أدرك «ولى النعم» أنه لن يستطيع الاعتماد على الجنود الألبان أو الأرناؤوط، لتمردهم على الانتظام فى صفوف جيش عصرى والتدريب على طريقة الإفرنج، كما قال عبدالرحمن الجبرتى، وبالطبع لن يعتمد على المماليك، لذلك فكر فى تجنيد أفراد من رعيته بشرط ألا يكونوا من المصريين الذين كان يخشى تمردهم عليه إن هو سلحهم، فى ظل تصاعد استياء الفلاحين المصريين من سياساته التى أفقرتهم وحرمتهم من ثمرة كدهم فى الأرض.

اتجه محمد على إلى أعداد من السودانيين لكى يجعل منهم جنودًا لجيشه لكن المحاولة فشلت أيضًا بسبب عدم تحمل ضباطه الأتراك والألبان، الذين أرسلهم إلى السودان لاسترقاق السودانيين، فأصابتهم الأمراض ومات عدد كبير منهم، فلم يجد مفرًا من تجنيد المصريين.

وهكذا أصبح لمصر جيش قوامه من المصريين لأول مرة منذ انتهاء عصر الفراعنة.

بسبب خوفه من تمرد المصريين بعد حملهم السلاح استقر رأى الباشا على أن يكون ضباط الجيش من الأتراك والأرناؤوط فيما الجنود من المصريين.

وفى حديث له مع ضيف فرنسى قال: «التركى أصلح للحرب والقيادة؛ إذ يشعر بأنه إنما خُلق ليحكم، ويحس ابن العرب (الوصف الذى كان الأتراك يطلقه على المصريين) فى حضرته أن التركى أحق بالقيادة».

لم تكن مهمة محمد على فى تجنيد الفلاحين سهلة خاصة أن الاستياء من سياساته قد بلغ ذروته، فبعد ستة عشر عامًا من حكمه أخذ إحباط الفلاحين يزداد من سياسات وجدوها غاية فى القهر.

فبعد فرض ضرائب مرهقة على أراضيهم، وسخرة تطول وتشتد وحشية فى مشاريع البنية التحتية بمواقع بعيدة جدًا عن قراهم، وسياسة احتكارات خانقة حرمتهم الحق فى أن يأكلوا مما زرعوه بأيديهم، فاض بهم الكيل.

وكان التجنيد الإجبارى هو القشة التى قصمت ظهر البعير.

فور إرسال أوامر التجنيد إلى مديرى مديريات الدلتا قامت هناك انتفاضة كبيرة خلال شهرى إبريل ومايو 1823.

ويبدو أن الانتفاضة كان وراءها أيضًا تذمر الفلاحين من الضرائب الجديدة التى فرضت على أراضيهم، فضلًا عن إجبارهم على زراعة القطن التى لم تعد عليهم بالنفع.

فاقترح المديرون تأجيل التجنيد حتى انتهاء موسم الحصاد، وهو الاقتراح الذى وافق عليه الباشا على مضض.

وفى تنازل آخر، قرر الباشا إعفاء 22 قرية فى الدلتا، كانت مكلفة بزراعة القطن، من توريد شبان للتجنيد، وأضيفت إليها كل القرى المكلفة بزراعة الأرز فى المنصورة والغربية.

لم تجد هذه التنازلات كثيرًا، فقد ثار الفلاحون ثورة كبيرة أشارت إليها التقارير المرفوعة إلى الباشا بلفظة عصيان.

عندها قرر محمد على أن الأمر يستدعى حلًا عاجلًا وحاسمًا، فاستدعى كبار قادته العسكريين إلى مجلس حرب فى قصره بشبرا، وبعد أن تسلح بستة مدافع میدان، زحف بنفسه نحو القرى الثائرة، وفى أقل من أسبوع سحق العصيان.

وفى مواجهة هذا البطش لم يجد الكثيرون من الفلاحين بدًا من الفرار من قراهم أو إحداث عاهات فى أجسادهم هربًا من التجنيد.

لكن محمد على واجه هذا التحدى بإصرار يميزه فقرر عدم إعفاء المشوهين لأنفسهم من التجنيد الإجبارى فصدرت الأوامر بتشكيل أورطات كاملة من أصحاب العاهات والمصابين (الشقط).

كان قرار تكليف ضباط مختلفين عرقيًا ولغويًا عن الجنود وسيلة ناجعة فى خلق آلة حربية جيدة التدريب وأهل للاعتماد عليها.

وبعد نجاحه فى قهر الموجة الأولى من الانتفاضات الفلاحية فى ١٨٢٣ - ١٨٢٤، اتضح لمحمد على أن العسكرى المنتظم يمكنه أن يقاوم عددًا عظيمًا من غير المنتظمين، وهذا هو الأمر الذى زاد محمد على باشا تمسكًا بالنظام الجديد.

تخلى الباشا عن تردده بشأن السرعة التى ينبغى أن يسير بها التجنيد قدمًا، وهو تردد كان قائمًا، بين أشياء أخرى، على مخاوف من أن يؤثر التجنيد على الإنتاج الزراعى بسحب القوى العاملة منه، وهو فى مسيس الحاجة إليها.

فصدرت الأوامر تباعًا إلى مديرى المديريات بجمع أكبر قدر ممكن من الرجال أصحاء البدن من الريف.

خلال 10 سنوات فقط وصل تعداد الجيش الجديد إلى حوالى 130 ألف جندى وهو رقم ضخم فى ضوء وصول عدد سكان مصر إلى 4.

5 مليون نسمة فقط، أى أن تعداد الجيش كان يعادل حوالى 3% من إجمالى عدد السكان وهى نسبة مرتفعة للغاية بالنسبة لأى دولة.

فى المقابل أظهر الجندى المصرى كفاءة عسكرية فذة واستطاع الجيش تحقيق النصر فى كل المعارك التى خاضها تحت قيادة إبراهيم باشا نجل محمد على، سواء فى شبه الجزيرة العربية أو حرب المورة باليونان ثم فى مواجهة الدولة العثمانية التى استطاع هزيمة جيوشها فى العديد من المعارك ودفعها إلى التقهقر حتى وقف على بعد 200 كيلومتر فقط من عاصمة السلطنة العثمانية.

مكنت الانتصارات العسكرية محمد على وابنه إبراهيم من فرض شروطهما على السلطان العثمانى فأصدر فى ١٤ إبريل 1833، «التوجيهات» المعلنة بتثبيت وتعيين محمد على فى ولايات مصر، ودمشق - الشام، وحلب، وطرابلس، وصيدا عكا، وكريت، بالإضافة إلى سناجق بيروت، وصفد، والقدس، ونابلس، وكذا إبراهيم باشا فى ولايات جدة ومكة والحبشة.

أما ولاية أضنة الغنية بالأخشاب والزراعة والتى كان إبراهيم باشا يتمسك بحكمها، فأصدر السلطان محمود فرمانًا فى 3 مايو 1833 بتعيين إبراهيم باشا فى وظيفة «محصل أضنة»، وهو ما كان سيعطيه حق جباية الضرائب وقطع الأشجار، دون السماح له بإبقاء قوات عسكرية هناك.

وكانت الهزيمة الوحيدة للجيش المصرى هى فى معركة نافارين البحرية التى تكتلت فيها أساطيل فرنسا وبريطانيا وروسيا ضد أسطول محمد على والدولة العثمانية دعمًا للثورة اليونانية.

وكما قلنا كان الجيش فى حروبه يحتاج إلى آلة اقتصادية جبارة تحت سيطرة محمد على، فاختار سياسة الاحتكار.

ففى 1811 احتكر كامل إنتاج الصعيد من الغلال.

وفى السنة التالية سحب هذا الاحتكار على إنتاج الدلتا من الأرز.

وفى ١٨١٥ جاء الدور على سكر الصعيد.

وبحلول ١٨١٦ كان محمد على قد توسع فى هذه السياسة لتغطى أغلب المحاصيل النقدية فى البلاد.

سمحت له هذه السياسة بشراء هذه المحاصيل من الفلاحين بأسعار أقل من مستوى سعرها السوقى وجنى أرباح معتبرة من بيعها محليًا أو فى السوق العالمية.

فضلًا عن ذلك، وبعيد التخلص من المماليك، تمكن محمد على من إلغاء الالتزام، الذى بموجبه كان حق تحصيل ضريبة الأراضى قد بيع إلى من يتمكنون من دفع مبلغ الضريبة مقدمًا، فألغيت التزامات الصعيد tD 1812 والتزامات الوجه البحرى فى ١٨١٤.

وبعد أن مد سيطرته على هذا النحو لتشمل ملكية الأراضى، وتحصيل الضرائب، وبيع الإنتاج الزراعى، خطا محمد على خطوة أخرى فى طريق السيطرة على القطاع الزراعى، بالتدخل فى عملية الإنتاج الفعلية.

فأدخل محاصيل جديدة وتقنيات جديدة، وأسس نظامًا لتدوير المحاصيل كان الفلاحون مجبرين على اتباعه.

وبينما سمحت هذه الإجراءات المتعاقبة بأن يتحكم محمد على فى الفائض الزراعى على نحو لم يتسنَ لأى والٍ عثمانى سابق، فقد كان لها أثر وخيم على الفقراء، فى المدن كما فى الريف.

وإذ أدركوا أن أرزاقهم ومعايشهم صارت خاضعة لتحكمات آلة الباشا الإدارية وألاعيبها، بدأوا يرون أنفسهم أنفارًا عند الباشا.

كان نصيب الشعب المصرى من هذه السياسات الاقتصادية والعسكرية لمحمد على الفقر والذل إلى الدرجة التى دفعت إبراهيم باشا المشهور بقسوته وكراهيته للفلاحين المصريين إلى توجيه خطاب إلى والده ينتقد فيه سياساته الاقتصادية فى مصر وقال «التكاليف المالية (الضرائب والرسوم والمكوس) المطلوبة من مصر كبيرة جدا.

فمثلا المبلغ المالى المطلوب من مقاطعة مرعش (فى جنوب تركيا) للدولة العثمانية يساوى التكاليف المطلوبة من قريتين من قرى مصر، ولئن صح أن عمالنا ليس فيهم فتور فى أعمال التحصيل، غير أن العبء ثقيل جدا.

فإذا نظرنا بعين الإنصاف وعملنا مقارنة بين أهالى الإسطنبوليين (أى العثمانيين) وأهالى هذا الجانب (أى السكان الخاضعين لحكم والده فى مصر) يظهر جليا أن حملنا حمل جمل وحمل الإسطنبوليين حمل طير».

فسياسة الباشا الاحتكارية، والإجراءات القاسية التى اتخذت لتنفيذها، ألقت بأعداد لا حصر لها من الفلاحين فى جب الفقر، مجبرين على بيع قوة عملهم بثمن بخس لأشوان الحكومة، ثم على شراء ثمار عملهم بأثمان أعلى.

وبينما كان الفلاحون يألفون القيام بأعمال السخرة فى أراضى الملتزمين، طالبتهم مشاريع محمد على للبنية التحتية بخدمات السخرة لفترات أطول كثيرًا كل سنة، وفى مناطق بعيدة كل البعد عن مسقط رأسهم.

وفوق ذلك، تسببت إعادة التنظيم الجذرية للقطاع الزراعى، التى أجراها الباشا فى عقد ١٨١٠، فى فقدان الكثير من الفلاحين أرضهم، بعد أن عجزوا عن الوفاء بالالتزامات الضريبية الثقيلة.

أما عن مصانع محمد على فحدِّث ولا حرج.

فقد كانت مصدرًا لتعاسة من عملوا بها تعاسة لا توصف.

وهناك مراقبون لاحقون كثر قد أشادوا بهذه المصانع مراقبون، باعتبار أنها كانت لديها إمكانية تحويل مصر إلى بلد صناعى، ومكنتها بالفعل من أن تحذو حذو النموذجين البريطانى، والفرنسى لاحقًا، فى جهود التحول الصناعى.

لكن المصادر التاريخية التى كلفت نفسها عناء وصف طبيعة العمل فى هذه المصانع فتقدم صورة مختلفة كل الاختلاف.

ففى دراسة بسكال غزالة المعتمدة على سجل كشوف مرتبات لمصنع واحد فى القاهرة (ورشة الخرنفش) لسنة ١٨٢٣ جاءت إحدى أكثر الروايات تفصيلًا، حتى الآن، عن ظروف العمل فى هذه المصانع.

وعلى إيجازه، يخلص تحليل غزالة على نحو مقنع إلى نتيجة مهمة: إن العمل فى هذه المنشآت الصناعية لم يكن حرّا إذْ كانت قوى السوق دائمًا ما يُلحق بها مكمِّل من الأعمال البوليسية شديدة العنف التى أبقت العمال فى المصانع بالقوة.

وباختصار، فبينما يظل ما تسبب فى انهيار تجربة الباشا التصنيعية موضوعًا لجدال دائر، تجمع المصادر على أن هذه المصانع أثارت استياء عامًا لدى العمال، الذى تراوح عددهم بين 30 و40 ألف عامل كانوا يعملون مجبرين على العمل.

وردًا على هذا النقد اللاذع لسياساته الاقتصادية، كتب محمد على إلى ابنه قائلا: إن مشاريعه الكثيرة كانت ضرورية، وأضاف: «إن تأخر مصر ناشئ عما جرى بين سنة ١٢٣٥ و١٢٤٣ (هجرية) أى 1820 1827 (ميلادية) ولم نستطع تفهيم هذه الحقيقة للناس.

ولقد استمرت الحالة على ما كانت عليه حتى سنة ١٢٥١ [١٨٣٥]، واعتبارًا من هذا التاريخ نالت شئون مصر ما ينبغى أن تناله من العناية، وأخذت تسير فى طريق العمران سنة فسنة.

معنى هذا أن الباشا كان مدركًا للأزمة المالية التى يعانى منها، إلا أنه لم يبد مستعدًا للاعتراف بعمق الأزمة، ولا بكونها نتيجة مباشرة لسياساته الاقتصادية وطريقته فى إدارة البلد.

فقد استنزفت حروبه الكثيرة الطويلة ميزانيته؛ كانت الأراضى والأقاليم الشاسعة التى احتلتها جيوشه عبئًا على الميزانية، ولم يُغطِ ريعها تكلفة احتلالها، فضلًا عن تكاليف أعمال البنية التحتية الضخمة، ناهيك بتكاليف بناء قصوره وقصور أعضاء نخبته.

والحال أن محمد على، بحلول عقد 1830، كان قد أنجز كثيرًا من المشروعات التى كانت حتى سنوات قليلة مضت تعتبر أحلام رجل مجنون.

ولكن حتى هذه الإنجازات لم تتم إلا بإجهاد الاقتصاد المصرى إلى حد يكاد يصل إلى مستوى الانهيار.

كانت علاقة الباشا برعيته، أى أهل مصر الناطقين بالعربية، شديدة التعقيد، فقد كان واعيًا وعيًا عميقًا بأن المصريين - أهل البلد- هم أولًا وأخيرًا مصدر ثروته.

كتب ذات مرة إلى مفتش عموم الفابريقات، «ألم أقل لك مرارًا أن أولياء نعمتى اثنان: أحدهما السلطان محمود، والآخر الفلاح»، لكن هذا الكلام لم يمنعه من تحويل كل الشعب تقريبًا إلى أجراء فى أرضه أو عمال بالسخرة فى مشروعاته العديدة أو حتى إجبارهم على التجنيد فى الجيش، بل والعمل فى المصانع.

وحتى سياسة محمد على التعليمية كانت، للمفارقة، مكروهة بالمثل.

كثيرًا ما يصوّر الباشا بوصفه من فتح المدارس الكثيرة فى أنحاء البلاد، حيث شملت مجانية التعليم الكتب والسكن والطعام والملبس فوفرته جميعًا للتلامذة الفلاحين، بل صرف لهم مصروفًا شهريًا.

غير أن نظرة أكثر تمعنًا تكشف عن مشاكل خطيرة فى سياسة الباشا التعليمية.

إحداها أن السياسة برمتها عانت من اختلال بنيوى: تأسست المعاهد الفنية المتقدمة (كالمهندسخانة وقصر العينى) قبل افتتاح المدارس الإعدادية أو الابتدائية التى كان من شأنها أن تمدها بالطلبة المؤهلين.

ونظرًا إلى أن محمد على كان ضد فكرة نشر التعليم فى أوساط الأهالى، وكان اهتمامه مقتصرًا على تعليم عدد محدود من الأطفال، ليحلوا فى النهاية محل الخبراء الأجانب الذين استقدمهم بتكلفة باهظة، وبقيت أعداد التلاميذ فى مدارسه الابتدائية ضئيلة جدًّا، فتعذر أن توفر للمعاهد الفنية المتقدمة احتياجها الضرورى.

وأديرت المدارس كلها بانضباط عسكرى تجلى بأشكال عدة.

فالطريقة التى أخذ بها الأطفال عنوة من بيوتهم، على سبيل المثال، ذكرت الناس بالطريقة التى سيق بها الشبان إلى الجهادية.

وبمجرد تجنيدهم إجباريا فى الدراسة، تعين إيداع التلاميذ فى مدارس داخلية، ولم يسمح لهم بمعاشرة ذويهم.

وكان المدرسون يُنزلون عقوبات بدنية شديدة (أغلبها جلد بالسوط) بشكل روتينى.

وكان من يهربون يتعرضون، هم وآباؤهم، لضرب مبرح.

حقيقة الأمر أن الأولاد لم يكن لهم رأى فى دخولهم المدارس أو الخروج منها، فكلا الأمرين كان مرهونًا برغبات الباشا.

يصف نوبار باشا الطريقة التى اختير بها الطلاب للالتحاق بالمدارس كالتالى: كان يتم إرسال الأطفال دون اختيار أو رغبة الوالدين إما إلى المدارس وإما إلى المصانع.

كان دور المصنع هو إمداد الدولة بالأيدى العاملة الماهرة، أما المدارس فقد كان دورها تعليم الأطفال القراءة والكتابة فقط لتدعيم الدولة بالكتبة والموظفين.

وإلى جانب استرضاء السلطان، كانت فرص البقاء السياسى لمحمد على فى مصر، تعتمد على تأسيس نخبة جديدة موالية له، تحل محل الطبقة الارستقراطية السابقة التى كان قد محقها.

واختار الباشا الاستعانة بأفراد عائلته الأقارب والبعيدين لمساعدته فى حكم مصر.

وبعد شهر واحد فقط من توليته حكم مصر، فى عام 1805 استدعى أكبر أبنائه إبراهيم وطوسون إلى مصر وشرع فى تعيينهما فى مناصب رفيعة رغم صغر سنهما.

وفى عام 1809 استدعى زوجته وباقى الأبناء إلى مصر.

وبعد ذلك بدأ يستدعى العديد من أفراد العائلة من أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات وعينهم فى المناصب العامة ومنحهم الإقطاعيات.

وهكذا تشكلت النخبة الجديدة الموالية للباشا، وكانت تحمل بذور تفككها وفشلها سواء نتيجة الفساد أو انعدام الكفاءة والأهم من ذلك انقسامها على نفسها.

وإذا كان الباشا قد اجتهد لكى يحد من فساد نخبته، حرصًا على دولته، كانت هذه النخبة منقسمة على نفسها، وفى تناحر دائم على خيرات البلد التى اعتبروها، حقًا وفعلًا، ملكًا خاصًا لهم.

والتف حول إبراهيم باشا حزب سمى نفسه حزب المورة ليين (المورليين)، نسبة إلى حرب المورة التى شاركوا فيها وأثروا منها.

أما بوغوص يوسفيان المستشار المالى المقرب للباشا فقد شكّل حزبًا من الأرمن، ومن أعضاء البعثات الدراسية ذوى الخلفيات الإثنية المختلفة.

ثم كان هناك كبار ضباط الجيش الذين شكلوا حزبًا ثالثًا، كان، بطبيعة الحال، قريبًا من الحزب الأول.

أضف إلى هذا مئات الأوروبيين الذين وفدوا إلى البلاد طمعًا فى مكافآت الباشا السخية وبحثا عن مصالحهم الخاصة حتى لو تعارضت مع مصالح الدولة والباشا.

وتنتهى قراءة هذا الكتاب القيم إلى نتيجة واضحة تقول إن رغبة محمد على باشا فى تأسيس حكم عائلى وراثى له ولأولاده من بعده وليس تأسيس دولة حديثة، جعل التجربة كلها محكومة بالفشل فى نهاية المطاف، فلا الجيش استمر بعد معاهدة لندن فرمان 1841 الذى قلص حدود دولة محمد على الوراثية لتشمل مصر والسودان فقط، وخفض عدد أفراد الجيش إلى 18 ألف جندى، ولا الاهتمام بالتعليم استمر نتيجة انتفاء الحاجة إليه لخدمة الآلة العسكرية للباشا.

كما أن تلك النخبة قليلة الكفاءة وشديدة التناحر لم تتمكن من الحفاظ على إرث الباشا المؤسس فتدهورت أحوال مصر بشدة، ودخلت دائرة النفوذ الأوروبى بعد رحيله، حتى انتهى الأمر باحتلال الإنجليز لها فى 1882.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك